181

Taysīr uṣūl al-fiqh liʾl-mubtadiʾīn

تيسير أصول الفقه للمبتدئين

الأدلة على الاحتجاج بمفهوم المخالفة
والأدلة على ذلك كثيرة من الأثر ومن النظر.
أما من الأثر: الدليل الأول: قول الله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠].
فالله جل وعلا يقول للنبي ﷺ: (استغفر أو لا تستغفر)، ثم أتى بشرط فقال: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] وهذا مفهومه: أنك لو استغفرت لهم أكثر من سبعين مرة فيحتمل أن يغفر لهم، فقام النبي ﷺ يستغفر للمنافق فقال له عمر: كيف تستغفر له وقد قال الله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة:٨٠]؟ فقال: (سأستغفر فوق السبعين).
أو قال: (فوالله لأزيدن على السبعين).
فالنبي ﷺ شرع لنا مفهوم المخالفة في هذا، وبين أنه يُحتمل أن أكثر من السبعين فإن الله يغفر له، لكن الله حسم هذا المبدأ، وبين أن هذا المفهوم غير مراد فقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة:٨٤].
الدليل الثاني: إقرار النبي ﷺ لـ عمر بن الخطاب عند أن قرأ الآية: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١].
وهنا مفهوم شرط أيضًا.
فالمنطوق: إن خفت من أهل الكفر فلك أن تقصر من الصلاة، ومفهوم المخالفة: إن لم تخف فلا تقصر من الصلاة.
فقال: يا رسول الله! ما لنا اليوم في أمان ونقصر من الصلاة في السفر؟ فأقره النبي ﷺ ولم ينكر عليه فهمه؛ فكأنه قال له: نعم أنت على حق في فهمك.
ثم بين له أن قصر الصلاة لعلة أخرى فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
الدليل الثالث: حديث أبي ذر ﵁ وأرضاه قال: إن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة)، وفي رواية: (الكلب الأسود).
فقال أبو ذر مستعملًا مفهوم المخالفة: يا رسول الله! ما بال الكلب الأسود؟ معنى هذا: أن أبا ذر فهم من هذا التقييد: أن الكلب الأسود هو الذي يقطع الصلاة، وأما بقية الكلاب فلا تقطع، فقال النبي ﷺ مقرًا لفهم أبي ذر (الكلب الأسود شيطان).
يعني: أن مفهوم المخالفة: أن الكلب الأصفر لا يقطع الصلاة؛ لأنه ليس بشيطان.
الدليل الرابع: حديث ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله: (من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة)، فقال ابن مسعود: وأنا أقول: من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، أو قال: لم يدخل الجنة.
فقول ابن مسعود هذا فيه دلالة على مفهوم المخالفة؛ فإنه فهم النص وفهم منه المخالفة.
وقد جاء النص صريحًا عن النبي ﷺ مرفوعًا من غير رواية ابن مسعود بنفس التصريح، أو من رواية ابن مسعود بنفس التصريح: (من مات يشرك بالله شيئًا دخل النار، أو لم يدخل الجنة).

19 / 4