والصواب: أن المراد بأهل اليمن: الوفود الذين وفدوا عليه في ذلك الوقت من اليمن، وهم أهل تهامة كلها، وليس المرادُ بلادَ اليمن الواقعة بين الحدود الجغرافية المعروفة الآن.
ولا منافاة بين هذا الحديث، وبين قوله ﷺ: «الإِيمَانُ فِي أَهْلِ الحِجَازِ»؛ لأن المرادَ بهؤلاء: الموجودون منهم حينئذٍ، لا كل أهل اليمن في كل زمان؛ فإنه لا يقتضيه، وهذا هو الحق- إن شاء الله- في هذه المسألة، ونحمد الله تعالى على هدايتنا له، والله أعلم.
وقوله: «الْفِقْهُ يَمَانٍ» الفقه هنا عبارة عن الفهم في الدين، ثم اصطلح بعد ذلك الفقهاء والأصوليون على تخصيصه بـ: إدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها (^١).
وقوله: «الْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» في المراد بالحكمة أقوالٌ كثيرة، وقد اقتصر كل قول على بعض صفات الحكمة، وقد صفي لنا منها: أن الحكمة عبارة عن العلم المقرون بالعمل، وهو قول النبي ﷺ في الحديث: «لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» (^٢).
وقال النووي ﵀: «قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، فهي حِكمة وحُكْمٌ، ومنه قول النبي ﷺ: «إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً» (^٣)، وفي بعض الروايات «حُكْمًا» (^٤)، والله أعلم» (^٥).
وفي الحديث- أيضًا-: منقبة لأولئك الذين قدموا على النبي ﷺ.
(^١) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٣).
(^٢) أخرجه البخاري (٧٣)، ومسلم (٨١٦).
(^٣) أخرجه البخاري (٦١٤٥).
(^٤) أخرجه أحمد (٢٤٢٤)، وأبو داود (٥٠١١)، والترمذي (٢٨٤٥)، وابن ماجه (٣٧٥٦).
(^٥) شرح مسلم، للنووي (٢/ ٣٣).