281

في ذلك المقام بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشابه لطباع الرهبان لابسي المسوح الذين لم يأكلوا لحما، ولم يريقوا (1) دما قط، فتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليوناني، ويوحنا السعمدان الإسرائيلي، وعيسى بن مريم الإلهي، وتارة يكون في صورة عتيبة بن الحارث اليربوعي، وعامر بن الطفيل العامري، وبسطام بن قيس الشيباني.

واقسم بالذي تقسم الامم كلها به؛ لقد تلوت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة، وما تلوتها مرة إلا وأحدثت في قلبي وجيبا، وفي أعضائي رعدة، وخيل لي مصارع من مضى من أسلافي، وتصورت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) في قوله:

فكم أكلت الأرض من عزيز جسد، وأنيق لون كان في الدنيا غذي ترف، وربيب شرف، إلى آخرها (2)؟

وكم قال الناس، وكم سمعت، وما دخل كلام ما دخل هذا الكلام من قلبي (3)، فإما أن يكون ذلك لفرط حبي لصاحبه، أو أن نية القائل كانت صادقة، ويقينه ثابت، فصار لكلامه تأثير في النفوس. (4)

وقال أيضا الفاضل ابن أبي الحديد عند شرحه كلامه (صلوات الله عليه) في خطبة الأشباح (5): عالم السر من ضمائر (6) المضمرين، إلى آخر الفصل: لو

Page 309