176

Ṭarīq al-wuṣūl ilā al-ʿilm al-maʾmūl bi-maʿrifat al-qawāʿid wa-l-ḍawābiṭ wa-l-uṣūl

طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول

Publisher

دار البصيرة

Edition

الأولى

Publisher Location

الإسكندرية

ثم إنه كمل على جميعهم النعمة، بأن أمرهم أن يصرفوا مشيئتهم وإرادتهم إلى ما ينفعهم، مما يحبه الله ويرضاه، وأن يمتنعوا عما يكرهه الله، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل عليهم الكتب، لتفصيل ما يحبه الله مما يكرهه، والترغيب في هذا، والترهيب من هذا، بكل وسيلة وطريق. وأخبرهم بما يترتب على ذلك من الثواب والعقاب، وأشهدهم أنموذجاً من ذلك في دار الدنيا.

وكل هذه الأمور وتوابعها اشترك فيها كل أحد، فلم يبق لأحد على الله حجة، بل حجته ورحمته وصلت إليهم كلهم. ثم إنه تعالى خص المؤمنين بخصائص من رحمته، بها آمنوا واهتدوا وعملوا الصالحات، وهي أنه حبب إليهم الإيمان وزيَّنْه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان. ثم كلما فعلوا شيئاً من الهداية وقصدوا مراضي ربهم، أمدهم بهدايات متنوعة، ولطف بهم، ويسّرهم لليسرى، وجنَّبهم العسرى، وحفظهم، (ودفع) عنهم بإيمانهم السوء والفحشاء، فاستقاموا على الصراط المستقيم، بمنته ورحمته.

والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فكل نعمة منه: فضل، وكل نقمة منه؛ عدل. أفبعد هذا تبقى حجة للمعاند، وشغب للمكابر، يحتج فيه بالقدر؟ ولم يبق إلا أن يقول: كيف خص المؤمنين بما خصهم به دوننا؟

فيقال: هذا فضله وإحسانه، يؤتيه من يشاء، فلم يمنع الكافر والفاجر حقاً له يستحقه، بل منع عنه فضله الذي خص به المؤمنين، لكمال حكمته، ولعلمه أنه لا يستحق هذا الفضل، لإعراضه عن ربه، واعتراضه عليه. ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، ولو أسمعهم لتولُّوا وهم مُعرضون.

176