174

Ṭarīq al-wuṣūl ilā al-ʿilm al-maʾmūl bi-maʿrifat al-qawāʿid wa-l-ḍawābiṭ wa-l-uṣūl

طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول

Publisher

دار البصيرة

Edition

الأولى

Publisher Location

الإسكندرية

والله تعالى جعل فعل الحسنات سبباً لهذا، والسيئات سبباً لهذا: كما جعل أكل السم سبباً للمرض والهلاك. وأسباب الشر لها أسباب تدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة تُمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفَّر بها السيئات. والله تعالى يخلق الاختيار في المختار، والرضا في الراضي، والمحبة في المحب. وهذا لا يقدر عليه إلا الله. ولهذا أنكر الأئمة على من قال: جبر الله العباد.

٧٣٩ - ومما يبين هذا، أن الله تعالى: جهة خلقه وتقديره، غير جهة أمره وتشريعه. فإن أمره وتشريعه مقصوده: بيان ما ينفع العباد إذا فعلوه وما يضرهم، بمنزلة أمر الطبيب للمريض بما ينفعه. فأخبر الله على ألسنة رسله بمصير السعداء، والأشقياء، وأمر بما يوصل إلى السعادة، ونهى عما يوصل إلى الشقاوة.

وخَلقُه وتقديره يتعلق به وبجملة المخلوقات، فهو يفعل (ما) فيه حكمة متعلقة بعموم خلقه، كالمطر، وإن كان في ضمن ذلك تضرّر بعض الناس بسقوط منزله، وانقطاعه عن سفره، وتعطيل معيشته. وكذلك رسالة محمد ﷺ، لما فيه إرساله من الرحمة العامة، وإن كان في ضمن ذلك سقوط رياسة قوم، وتألُّمهم بذلك.

فإذا قدر على الكافر كفره، قدره لما في ذلك من الحكمة والمصلحة العامة، وعاقبه لاستحقاقه ذلك بفعله الاختياري، وإن كان مقدراً، ولما له في عقوبته من الحكمة والمصلحة العامة.

٧٤٠ - الإنسان حيّ حساس، متحرك بالإرادة. ولهذا قال النبي ﷺ: ((أَصْدَقُ الأَسْماء: الْحارثُ، وَهَمَّام)). فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: كثير الهم. والهم: مبدأ الإرادة والقصد، فكل إنسان حارث وهمام، وهو المتحرك بالإرادة، وذلك لا يكون إلا بعد الحس والشعور، فإن الإرادة مسبوقة بالشعور بالمراد، فلا يتصور إرادة ولا حب ولا شوق ولا اختيار ولا طلب، إلا بعد الشعور وما هو من جنسه، كالحس والعلم والسمع والبصر والشم والذوق واللمس، ونحو هذه الأمور.

174