134

Ṭarīq al-wuṣūl ilā al-ʿilm al-maʾmūl bi-maʿrifat al-qawāʿid wa-l-ḍawābiṭ wa-l-uṣūl

طريق الوصول إلى العلم المأمول بمعرفة القواعد والضوابط والأصول

Publisher

دار البصيرة

Edition

الأولى

Publisher Location

الإسكندرية

وكان خَلقه وصورته من أكمل الصُّوَرَ، وأَجْمَعها للمحاسن الدالة على كماله .. وكان أُمِّيَّاً من قوم أميين، لا يعرف - لا هو، ولا هم - ما يعرفه أهل الكتاب؛ ((التوراة، والإنجيل)). ولم يقرأ شيئاً من علوم الناس، ولا جالس أهلها، ولم يَدَّع بنبوة إلى أن كمل الله له أربعين سنة .. فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره، وأخبر بأمر لم يكن في بلده ولا في قومه من يعرف مثله، ولم يعرف قبله ولا بعده، لا في مصر من الأمصار، ولا في عصر من الأعصار، من أتى بمثل ما أتى به، ولا من ظهر كظهوره، ولا من أتى من العجائب والآيات بمثل ما أتى به، ولا من دعا إلى شريعة أكمل من شريعته، ولا من ظهر دينه على الأديان كلها بالعلم والحجة وباليد والقوة كظهوره ..

ثم إنه اتَّبعه أتباع الأنبياء، وهم الضعفاء من الناس، وكذَّبه أهل الرياسة وعادوه، وسعوا في هلاكه وهلاك من تبعه بكل طريق، كما كان الكفار يفعلون مع الأنبياء وأتباعهم. والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة، فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم، ولا جهات يولِيهم إياها، ولا كان له سيف، بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه. وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذي وهم صابرون، محتسبون، لا يرتدُّون عن دينهم، لما خالطت قلوبهم حلاوة الإيمان والمعرفة.

وكانت مكة يحجّها العرب من عهد إبراهيم، فتجتمع في الموسم قبائل العرب؛ فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة، ويدعوهم إلى الله صابراً على ما يلقاه من تكذيب المكذب، وجفاء الجافي، وإعراض المعرض، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جيران اليهود، قد سمعوا أخباره منهم وعرفوه.

فلما دعاهم، علموا أنه النبي المنتظر الذي تخبرهم به اليهود. وكانوا قد سمعوا من أخباره ما عرفوا به مكانته، فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة؛ فآمنوا به، وتابعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم، وعلى الجهاد معه.

134