الْكَلَام جدا قَالَ غَيره وَكَانَ قَلِيل الْمَنَام مؤثرًا للعزلة عَن الْأَنَام
قلت وَقد علمت أَن أصُول التصوف فِي الِابْتِدَاء تَدور على أَرْبَعَة أَشْيَاء قلَّة الطَّعَام وَقلة الْكَلَام وَقلة الْمَنَام واعتزال الْأَنَام
قَالَ بَعضهم جعل الْخَيْر كُله فِي بَيت ومفتاحه الْجُوع وَجعل الشَّرّ كُله فِي بَيت ومفتاحه الشِّبَع وَقَالَ يحيى بن معَاذ لوز كَانَ الْجُوع يُبَاع بِالسوقِ لما كَانَ يَنْبَغِي لطلاب الْآخِرَة إِذا دخلُوا السُّوق أَن يشتروا غَيره وَقَالَ سهل مَا صَار الابدال إبدالًا إِلَّا بِأَرْبَع خِصَال اخماص الْبُطُون والسهر والصمت والاعتزال عَن النَّاس فقد قيل فِي صفة الابدال إِن أكلهم فاقه ونومهم غَلَبَة وَكَلَامهم ضَرُورَة
قلت هَذَا وَإِن كَانَ تقليل الْغذَاء مستحسنًا عِنْد الْقَوْم بالججملة وَلكنه لَيْسَ بمقصود أُصَلِّي وَلَعَلَّه يتَوَلَّد من الإفراط آفَات مخلة بِالْمَقْصُودِ الْأَصْلِيّ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود من التقليل كسر النَّفس وتقوية الْقلب وتبييضه فَإِن الْجُوع يذيب شَحم الْقلب ويقلل دَمه فيبيض ويرق ويصفو فيستعد بصفائه لقبُول نور الذّكر وأنوار الْمُعَامَلَات الشَّرْعِيَّة والواردات الغيبية ثمَّ تنعكس الْأَنْوَار من مرْآة الْقلب إِلَى أَرض النَّفس ﴿وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا﴾ وتلاشت ظلمات صِفَات النَّفس وَانْشَقَّ صدف ظلمَة الشَّهْوَة عَن درة الْمحبَّة فَإِن الشَّهْوَة مَطِيَّة تالمحبة وَهِي الْمَطْلُوب من الْإِنْسَان وَبهَا فاق على الْمَلَائِكَة المقربين وسجدوا لَهُ فَافْهَم جدا فالامساك الْمَحْمُود عَن الطَّعَام مَا يكون محميًا عَن طرفِي الإفراط والتفريط كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا﴾ فالمحمي من الْإِسْرَاف نصف رَطْل إِلَى رَطْل كل يَوْم أَو قريب من هَذَا فيزيد وَينْقص مِنْهُ كل طَائِفَة على قدر قوتهم وَصِحَّة مزاجهم
وَكَانَت وِلَادَته ببرهان فَور سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَقيل خمس وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة ومؤلفاته كَثِيرَة نَحْو مائَة مؤلف مَا بَين صَغِير وكبير ومحاسنه جمة ومناقبه ضخمة وَقد افردها الْعَلامَة عبد الْقَادِر بن أَحْمد