فزحف الجيشان، ورجف الجاشان. وتحرك المجران، وتحرق الجمران وكان اجتماعهما بنواحي الكرج، وكرب الحرب معوز الفرج، وكان السلطان قد اتهم الوزير بمداجاته، ومكاتبة إيناج ومناجاته. وكانوا حملوا السلطان على قتله، وحذروه من مكره وختله. فما سمع فيه مقالا ولا رأي له اعتقالا، بل وكل له في السر جماعة يظهرون أنهم في خدمته، ويظاهرون في حفظ حرمته. وكان في اهتمام نصرة الدين بهلوان، فقرر أمره على هدايا يهديها، وأربعين ألف دينار يؤديها. فأخذوا منه في المآل المال، وتركدوا فيه القيل والقال. فصرفوا المال في مصالح العسكر، وعاد الوزير إلى سعده الأزهر وجده الأبهر. وقدم الحركة، يوم المعركة. ولما تواقف الجمعان، واجتمع الموقفان، حملت ميمنة إيناج على ميسرة السلطان وكسرتها، فوجد1
السلطان ووجم، وهجم عليه الهم بما هجم. لكنه ثبت في قلبه، وانتحى إيلدكز فحمل بأولاده وصحبه. وخفقوا على قلب إيناج وقلبه خافق، وهمه لوهمه. مصافح مصافق.
والطرد من ورائه، ورأيه في الطرد. وغاب في الغبار، وأضمرته دياجي الضمر الجياد، وأصابت وجه الوزير في هذه الوقعة ضربة سيف أذهبت عينه اليمنى. ولم يدر أنه بعد ذهاب ذهبه وعين نضاره بذهاب ناظر عينه يمني، وحمل إلى همذان في محفة ليتداوى، وشمت به عداته وعادت ضواريها عليه تتعاوى. فولى إيناج مدبرا وأدبر موليا. وخلى رحله ورحل متخليا. وعاد السلطان إلى عادته في السلطنة واتسع ملكه، واتسق سلكه ودار فلكه، ودر فلكه، وتفرد زوج أمه أتابك إيلدكز بالأمر والنهي، والنشر والطي، والحسم والكي، والإثبات والنفي. فأدنى وأبعد، وأشقى وأسعد. وراقب الإضراب، وضرب الرقاب. وحابى الأعداء وعادى الأحباب.
ولما وضعت الحرب أوزارها، وجه السلطان إلى الري براياته، ووصل سراياه إلى إيناج لقطع سراياته. فقدموها وجبوا أعمالها، وجنوا أموالها، وجمعوا ذخائرها، وفرقوا أخايرها. وكان إيناج منهم بنجوة، وقد قنع من العيش بفجوة. وهو في حدود الدامغان، وما زال بها يستعطف ويستسعف، ويتوصل ويتوسل، إلى أن صلحت أسبابه واستتب صلحه، ونجحت آرابه وأربى نجحه. وقصروا رأيه على القناعة بالري، وتعوض برشده عن الغي. وحلت عنه جرباذقان وساوه. وعاودت معيشته وعيشته الطلاوة والحلاوة. ورحلوا إلى قزوين، فتحصن صاحبها في قلعة سرجهان، وعاين وعانى الامتحان والامتهان. ففرقوا العمال، وجمعوا الأموال. وأقاموا إلى أن دهم الشتاء بشتات الدهماء، ورحل البلاء بنزول البلاء. فإنهم لم يقيموا بالمكان ولم يتمكنوا من المقام، وفكوا عن البلدة عروة الازدحام. وسار السلطان نحو همذان، وأتابك إيلدكز إلى أذربيجان. ثم استقرت سلطنة أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، وعدم في عزه ونفاذ أمره الأشباه. وحكم عليه وعلى البلاد جميعها شمس الدين إيلدكز زوج أمه، وجرى في إقامة ناموس سلطانه على رسمه.
Page 380