ولما يئس الباقون من عسكر سنجر من خلاصه، ورأوا مضيقا عليه في قفص اقتناصه، فرقوا وتفرقوا، وخفقوا وأخفقوا. فهرب منهم في آخر عمره ووقع إلى ترمذ، وأرهف حد العزم وشحذ، فأصابه سهم الأجل ونفذ. فأحضر عسكره سليمان شاه ابن أخيه محمد ليتولى مكانه، ويجد سلطانه. فلم يجد أمره للنفاذ النفاذ. وأجمع العسكر على الاتفاق في تولية محمود خان ابن أخت سنجر، وأقام بنيسابور متمكنا، حسنا في هيبته محسنا. وذلك في أيام السلطان محمد بن محمود بن محمد بن ملكشاه، فكتب له العهد من همذان وولاه، ثم استولى الأمير المؤيد أي ابه بنيسابور، وأخذ محمود خان وأعدمه، وتولى الأمور وبقي الغز بمرو وبلخ وسائر البلاد ضالين عن نهج الرشاد، عابدين للجور جائرين على العباد.
ذكر الحوادث بالعراق بعد انفصال السلطان محمد ابن محمود عن بغداد بعد حصارها في سنة 552 ه
قال-رحمه الله-: قد سبق شرح الحصار، وما قوى الله به أمير المؤمنين المقتفي من الانتصاب والانتصار. وكان من أقوى الأسباب في دفعهم، أن الخليفة راسل أتابك، شمس الدين إيلدكز، أن ينهض بعسكره إلى همذان، حتى إذا عرف السلطان محمد أن سريره قد فرغ، وأن سروره قد رفع، ارتحل عن بغداد، فسار أتابك إيلدكز بالسلطان ملكشاه بن محمود إلى همذان ودخلها، واستولى على ذخائر الملك بها ونقلها.
وأجلس ملكشاه على السرير، وقام بين يديه بالتدبير. فلما عرفت العساكر المنازلة لبغداد أن منازلها بهمذان نزلت، وأن ولاتها في ولاياتها عزلت، تشوشت خواطرها، واستوحشت ضمائرها. واتفق عن بغداد انفلاتهم وانفلالهم، وقدر انفصامهم وانفصالهم، وعادوا إلى همذان. ولما أحس ملكشاه بقرب أخيه محمد انصرف وانحرف، وقفاه أتابك إيلدكز وما توقف. وكان قد استوزر المظفر بن سيدي من زنجان، وكان كبير الأصل، كثير الفضل. وله نظم رائق، ونثر فائق. فمن ذلك قوله في شمس الدين أبي النجيب وزير السلطان محمد:
أبا النجيب وما في الحق مغضبة أأنت مثلي فأين العلم والحسب
Page 370