المستشرقون في أوال القرن العشرين
كانت الدروس الشرقية في غرة القرن العشرين راقية في سائر أنحاء أوربة والعالم وقتئذ في سلام لم تكدر صفاءه معامع الحروب فكان للغتنا العربية مقام رفيع في الجامعات الأوربية يتنافس أساتذتها في نشر تعليمها واستخراج مئات من دفائن كنوزها. وكانت تساعدهم على ذلك المؤتمرات التي كانت تنعقد من وقت إلى آخر في عواصم البلاد ورحلات السياح إلى بلاد الشرق القاصية إلى اليمن والهند ومراكش فيعثرون على تأليف عزيزة الوجود كانوا يعدونها ضائعة مفقودة فينشرونها بالطبع فيتسع بنشرها على نطاق معارفنا عن آثار العرب.
وكانت مجلات المستشرقين حافلة بتلك المآثر النفسية لا سيما المجلات الآسيوية الفرنسوية والإنكليزية والألمانية والنمساوية والإيطالية والأميركانية فلم تترك بابًا إلا قرعته ولا بحثًا إلا خاضت فيه لا يهدأ لها بال حتى تبينه غثه من سمينه وهانحن نذكر بعضًا من الذين خدموا العربية في ذاك العهد فأسفت البلاد على فقدهم في أوائل القرن العشرين.
(الفرنسويون) فقد مكتب اللغات الشرقية الحية في هذا الحقبة الأولى من القرن العشرين رجلًا همامًا ترأس عدة سنين على تنظيمها وترتيب دروسها الوجيه (أدريان بربيه دي مينار) (A. Barbier de Meynard) ولد في ٦ شباط ١٨٢٦ على المركب الذي كان يقل والدته من الآستانة إلى مرسيلية وتخصص منذ حداثة سنه بدرس اللغات الشرقية وساعدته على إتقانها رحلاته لخدمة قنصليات وطنه في القدس وفي طهران والآستانة فتعلم اللغات الفارسية والتركية والعربية وتمكن من دقائقها حتى تولى تعليمها في مكاتب فرنسة العليا. فانتدب إلى رئاسة المجلة الآسيوية الباريسية وله فيها فصول عديدة ممتعة له بسعة معارفه. وقد حضرنا دروسه في باريس سنة ١٨٩٤ فكان لا يزال يطرأ محامد الشرق وآله. وله منشورات عدية في التركية والفارسية. ومما خدم به اللغة العربية نشره لمروج الذهب المسعودي في تسعة مجلدات مع ترجمته إلى الفرنسوية ونشر من معجم البلدان لياقوت ما يختص ببلاد فارس. وساعد في نشر التأليف العربية المنوطة بالصليبيين فنقل إلى الفرنسوية كتاب الروضتين