Ṭarḥ al-Tathrīb fī Sharḥ al-Taqrīb
طرح التثريب في شرح التقريب
Publisher
الطبعة المصرية القديمة
Publisher Location
مصر
وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ» يَعْنِي الْجُمُعَةَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ»؛ وَفِي عِلَلِ الْخَلَّالُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ " قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ فَوْحُ غَيْرَ الْأَعْمَشِ
ــ
[طرح التثريب]
بِالظُّهْرِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ مَوْجُودَةٌ فِي وَقْتِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ» يَعْنِي الْجُمُعَةَ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبَرِّدُ بِهَا وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الظُّهْرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِبْرَادِ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ أَنَّهُ لَيْسَ النَّظَرُ لِمُجَرَّدِ شِدَّةِ الْحَرِّ بَلْ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْجُمُعَةِ لَيْسَتْ فِي التَّعْجِيلِ بَلْ فِي التَّأْخِيرِ، فَإِنَّ النَّاسَ نُدِبُوا لِلتَّبْكِيرِ لَهَا، وَإِذَا حَضَرُوا كَانَتْ رَاحَتُهُمْ فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ لِيَنْصَرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَسْتَرِيحَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ لَا فِي التَّأْخِيرِ، فَإِنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِطُولِ الِاجْتِمَاعِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَانْعَكَسَ الْحُكْمُ، وَعَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَقْلِ الصَّحَابِيِّ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي؛ وَلِهَذَا قَالَ يَعْنِي الْجُمُعَةَ، وَلَوْ كَانَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ أَنَسٍ لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ يَعْنِي وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَجَبَ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى وَمُلَاحَظَتُهُ، وَالْمَعْنَى مُقْتَضٍ لِلتَّعْجِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي كَوْنِهِ لَيْسَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَهُ فِي الْإِبْرَادِ شِدَّةَ الْحَرِّ بَلْ الْمَشَقَّةُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ؛ وَلِهَذَا شُرِطَ فِي الْإِبْرَادِ أَوْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَكَوْنُ الْمُصَلِّينَ يَقْصِدُونَهَا مِنْ بُعْدٍ وَلَا يَجِدُونَ كِنًّا يَمْشُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ: فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ عَنْ هُنَا أَوْجُهًا: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا أَنَّ الْبَاءَ تَكُونُ بِمَعْنَى عَنْ فَمِنْ الْأَوَّلِ
2 / 156