سورة «المرسلات»
نزلت بعد سورة «الهمزة» فهى مكية فى قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر إلا قوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) فإنها مدنية ذكر ذلك ابن عباس وقتادة «١» وعن ابن عباس ﵄ قال: نزلت سورة المرسلات بمكة «٢» وأخرج البخارى ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ قال: بينما نحن مع النبى ﵌ فى غار بمنى إذ نزلت سورة وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا فإنه ليتلوها وإنى لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبى ﷺ: «اقتلوها»، فابتدرناها فذهبت، فقال النبى ﷺ: «وقيت شرّكم كما وقيتم شرّها» «٣».
والسورة الكريمة تقدم للناس تخويفا ووعيدا يزجرهم وينذرهم عاقبة التكذيب على الرغم من وضوح الآيات الباهرة فيما يشاهدون وفى عبرة التاريخ وفى أنفسهم ولذلك تكررت الآية الكريمة وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) والويل الهلاك، أو هو اسم واد فى جهنم، ويرى الشوكانى ﵀ أن تكرير هذه الآية فى هذه السورة، لأنه قسّم الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذابا سوى تكذيبه بشيء آخر، وربّ شىء كذّب به هو أعظم جرما من التكذيب بغيره فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب «٤» وقد ذكر هذا الوعيد وهذا التخويف على المنهج الآتى:
أولا: القسم بمخلوقات له صلة مباشرة بالخلق فيما يسرهم وفيما يسوؤهم، قال تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا
(٤) فَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ
(٧) فالمرسلات على قول جمهور المفسرين هى الرياح، والرياح من روح الله تعالى تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب. وقد جاء ذكر الرياح مع إرسالها فى مثل قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [الحجر: ٢٢]، وقوله جل شأنه: يُرْسِلُ الرِّياحَ [النمل: ٦٣] وغير ذلك وقيل عن المرسلات- أيضا- إنها الملائكة ترسل بأمر الله ونهيه، وقيل: إنها تعنى الرسل لتبليغ
(١) القرطبى ١٩/ ١٥٣، وفتح القدير ٥/ ٣٥٥.
(٢) أخرجه النحاس وابن مردويه والبيهقى عن ابن عباس، فتح القدير ٥/ ٣٥٥.
(٣) انظر فتح البارى ٨/ ٦٨٥ باختلاف يسير فى اللفظ، حديث (٤٩٣٠).
(٤) فتح القدير ٥/ ٣٥٧.