على أنَّنا لا ننكر زيارةَ قبره ﵌، وأنّها من أفضل القُرُبات، وإنما ننكر ما نهى عنه ﵌ مِن اتخاذ قبره عيدًا، ونُنكر شدَّ الرحال لغير قبره من قبور الأنبياء والصالحين (^١).
وفَصْل الخطاب بيننا وبينكم: أنكم تعتقدون أن الدعاءَ عند القبور أقرب إلى القبول. وتعتقدون أنّ الصالحين أحياء، بحيث يرون زائرهم ويسمعونه ويغيثونه بتصرّفهم في الكون، أو يدعون الله تعالى.
وكلا الأمرين غير صحيح؛ أما الأول، فلأنَّه لو كان الأمر كما تقولون لأمَرَنا به الله تعالى ورسولُه. فإنّ الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وقد عَلِمْتم أنه لم يصح عنه ﵌ الأمر بزيارة قبور أحدٍ من الصالحين لأجل الدعاء، وعَلِمْتم أن أصحابه ﵃ لم يكونوا يفعلون ذلك؛ بل صحَّ عنهم ما يخالفه، وهكذا أتباعُهم حتى ذهبت قرون الخيرية، وظَهَر الجهلُ والبدعُ، وصار كلُّ أحدٍ يشرع لنفسه ما يستحسنه هواه. والدين ليس ما تستحسنه النفسُ، وإنما هو ما صحَّ عن الله تعالى وعن رسوله ﵊.
(^١) لأن شدّ الرحل إنما هو للمسجد فهو في الحقيقة سفر إلى المساجد، بخلاف غيره من الأنبياء فإن شدّ الرحل إلى قبورهم سفر للقبر ذاته. ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الذين استحبوا السفر إلى زيارة قبر نبينا مرادهم السفر إلى مسجده، وهذا مشروع بالإجماع، ولو قصد المسافر إليه فهو إنما يصل إلى المسجد، والمسجد منتهى سفره، لا يصل إلى القبر، بخلاف غيره فإنه يصل إلى القبر». «مجموع الفتاوى»: (٢٧/ ٢٥٤، ٢٦٦).