190

Taḥqīq al-kalām fī al-masāʾil al-thalāth

تحقيق الكلام في المسائل الثلاث

Editor

علي بن محمد العمران - محمد عزير شمس

Publisher

دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٤ هـ

يقال: سَنَّ فلانٌ سنةً في بطن الوادي، أي: طرقَ طريقةً. ثم تُستعمل في الطريقة المعنوية، يقال: سنَّ فلان سنةً، أي: عمل عملًا يتبعه فيه الناس. ومنه حديث الصحيحين (^١) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﵌: "لا تُقتَلُ نفسٌ ظلمًا إلّا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها، لأنه أوّلُ من سَنَّ القتلَ".
فمعنى "من سَنَّ في الإسلام سنةً حسنةً": مَن عمِلَ في الإسلام عملًا حسنًا يتبعه فيه الناس، وسبب الحديث صريح في هذا، ولفظه في "صحيح مسلم" (^٢) عن جرير قال: كنّا في صَدْر النهار عند رسول الله ﵌، فجاءه قومٌ عُراةٌ مُجتابِي النِّمار ... الحديثَ، فذكر هيئةَ القوم الدالة على شدةِ فاقتهم، وتكدُّرَ النبي ﵌ لذلك، وقيامَه في الناس خطيبًا يحثُّهم على الصدقة، ثم قال: فجاء رجلٌ من الأنصار بصُرَّةٍ كادتْ كفُّه تَعجِزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ، ثم تتابعَ الناس، حتى رأيتُ لونَيْنِ (^٣) من طعام وثياب، حتى رأيتُ وجهَ رسول الله ﵌ يتهلَّلُ كأنَّه مُذْهَبةٌ، فقال رسول الله ﵌: "من سَنَّ في الإسلام سنّةً حسنةً ... " إلخ.
وظاهرٌ أنه ﵌ يشير إلى ذلك الأنصاري الذي جاء بالصُّرَّة، فتتابع الناس لما رأوه. ولا شبهةَ أن مجيئه بالصُّرة من أوفق الأعمال

(^١) البخاري (٣٣٣٥) ومسلم (١٦٧٧).
(^٢) رقم (١٠١٧).
(^٣) كذا في الأصل. وفي صحيح مسلم: "كَوْمينِ"، والكومة: الصُّبرة، والكوم: العظيم من كل شيء.

4 / 158