Tahāfut al-Tahāfut
تهافت التهافت
[77] ثم قال ابو حامد مجيبا لهم قلنا مهما كان العلم واحدا من كل وجه لم يتصور تعلقه بمعلومين بل يقتضى ذلك كثرة ما على ما هو وضع الفلاسفة واصطلاحهم فى تقدير الكثرة حتى بالغوا فقالوا لو كان للاول ماهية موصوفة بالوجود لكان ذلك كثرة . فلم يعقلوا شيئا واحدا له حقيقة ثم يوصف بالوجود بل زعموا ان الوجود مضاف الى الحقيقة وهو غيره فيقتضى كثرة فعلى هذا الوجه لا يمكن تقدير علم يتعلق بمعلومات كثيرة الا ويلزم فيه نوع كثرة اجلى وابلغ من اللازم فى تقدير وجود مضاف الى ماهية . واما العلم بالابن وكذا سائر المضافات ففيه كثرة اذ لا بد من العلم بذات الابن وذات الاب وهما علمان وعلم ثالث وهو الاضافة نعم هذا الثالث مضمن بالعلمين السابقين اذ هما من شرطه وضرورته والا فما لم يعلم المضاف أولا لا تعلم الاضافة فهى علوم متعددة بعضها مشروطة فى البعض فكذلك اذا علم الاول ذاته مضافا الى سائر الاجناس والانواع بكونه مبدأ لها افتقر الى ان يعلم ذاته وآحاد الاجناس وأن يعلم اضافة نفسه بالمبدئية اليها والا لم يعقل كون الاضافة معلومة له . واما قولهم ان من علم شيئا علم كونه عالما بذلك العلم بعينه فيكون المعلوم متعددا والعلم واحدا فليس كذلك بل يعلم كونه عالما بعلم آخر وينتهى الى علم يغفل عنه ولا يعلمه ولا نقول بالتسلسل الى غير نهاية بل القطع على علم متعلق بمعلومه وهو غافل عن وجود العلم لا عن وجود المعلوم كالذى يعلم السواد وهو فى حال علمه مستغرق النفس بمعلومه الذى هو سواد وغافل عن علمه بالسواد وليس ملتفتا اليه فان التفت اليه افتقر الى علم آخر الى ان ينقطع التفاته . واما قولهم ان هذا ينقلب عليكم فى معلومات الله فانها غير متناهية والعلم عندكم واحد فنقول نحن لم نخض فى هذا الكتاب خوض الممهدين بل خوض الهادمين المعترضين ولذلك سمينا الكتاب تهافت الفلاسفة لا تمهيد الحق فليس يلزمنا هذا الجواب فان قيل انا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق فاما ما ينقلب على كافة الخلق وتستوى الافهام فى اشكاله فلا يجوز لكم ايراده وهذا الاشكال متقلب عليكم ولا محيص لاحد من الفرق عنه قلنا لا بل المقصود تعجيزكم عن دعواكم معرفة حقائق الامور بالبراهين القطعية وتشكيككم فى دعاويكم . واذا ظهر عجزكم ففى الناس من يذهب الى ان حقائق الامور الالهية لا تنال بنظر العقل بل ليس فى قوة البشر الاطلاع عليه ولذلك قال صاحب الشرع تفكروا فى خلق الله ولا تفكروا فى ذات الله فما انكاركم على هذه الفرقة المعتقدة صدق الرسول بدليل المعجزة المقتصرة من قضية العقل على اثبات المرسل المتحرزة عن النظر فى الصفات بنظر العقل المتبعة صاحب الشرع فيما أتى به من صفات الله تعالى المقتفية اثره فى اطلاق العالم والمريد والقادر والحى المنتهية عن اطلاق ما لم يؤذن فيه المعترفة بالعجز عن درك العقل . وانما انكاركم عليهم بنسبتهم الى الجهل بمسالك البراهين ووجه ترتيب المقدمات على اشكال المقاييس ودعواكم أنا قد عرفنا ذلك بمسالك عقلية وقد بان عجزكم وتهافت مسالككم وافتضاحكم فى دعوى معرفتكم وهو المقصود من هذا البيان فاين من يدعى ان براهين الالهيات قاطعة كبراهين الهندسيات
Page 348