366

Tafsīr Ibn Bādīs fī majālis al-tadhkīr min kalām al-ḥakīm al-khabīr

تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير

Editor

علق عليه وخرج آياته وأحاديثه أحمد شمس الدين.

Publisher

دار الكتب العلمية بيروت

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٦هـ - ١٩٩٥م.

Publisher Location

لبنان.

ومن الشواهد لنفث الريق، ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂:
أن رسول الله- ﵌ كان إذا إشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال النبي بإصبعه هكذا:- تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل (١) - ثم رفعها، وقال:
"بسم الله تربة أرضنا بريقة (٢) بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا" (٣).
...
(بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث، سكت لحظة كمن يستجمع خواطره، ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع) (٤):
إن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلاّ الزمن.
وكذلك كلام نبينا- ﵌ المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلاّ بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون. وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله- ﵌ في وصف القرآن: «لا تنقضي عجائبه» (٥).
والعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونها بالفكر الخامد والفهم الجامد، إنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم.
وقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعدة يعنون أنه آت، وأن الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكل عالم بعدهم فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.

(١) لفظ مسلم: "ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها".
(٢) قال جمهور العلماء: المراد بأرضنا هنا جملة الأرض، وقيل: أرض المدينة خاصة لبركتها. والريقة: أقل من الريق. ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح.
(٣) صحيح مسلم (كتاب السلام، حديث رقم ٥٤). وأخرجه أيضًا البخاري في الطب باب ٣٨، وأبو داود في الطب باب ١٩، وابن ماجة في الطب باب ٣٦، وأحمد في المسند (٩٣/ ٦).
(٤) ما بين القوسين من كلام العلامة البشير الإبراهيمي ﵀ (حاشية المطبوع: [ص:٦٣٦]).
(٥) روى الإمام أحمد في المسند (٩١/ ١) من طريق علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبريل ﵇ فقال: يا محمد! إن أمتك مختلفة بعدك. قال: فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ قال: فقال: كتاب الله تعالى، به يقصم الله كل جبّار، من اعتصم به نجا ومن تركه هلك- مرتين- قول مفصل وليس بالهزل، لا تختلقه الألسن ولا تفنى أعاجيبه، فيه نبأ ما كان قبلكم وفصل ما بينكم وخبر ما هو كائن بعدكم».

1 / 377