311

Tafsīr Bayān al-Saʿāda fī maqāmāt al-ʿibāda

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة

{ قل } لهم ايها العاجزون عن البرهان والقاصرون عن العلم { هلم شهدآءكم } اى رؤساءكم الذين تقلدونهم { الذين يشهدون أن الله حرم هذا } حتى اظهر لكم جهلهم واتباعهم للهوى { فإن شهدوا } بذلك { فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا بآياتنا } وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على ان شهادتهم ناشئة عن اتباع الهوى لانهم موصوفون بتكذيب آيات الله والمكذبون بآيات الله ولا يكونون الا صاحبى الاهوية النفسانية { والذين لا يؤمنون بالآخرة } وصف آخر باعث لاتباع الهوى { وهم بربهم يعدلون } اى يسوون غيره به وصفهم باوصاف ثلاثة كل واحد منها يكفى فى رد شهادتهم.

[6.151]

{ قل } بعد عجزهم عن العلم واقامة البرهان والزامهم فساد تقليدهم لرؤسائهم { تعالوا } الى فانى منصوب من الله { أتل ما حرم ربكم عليكم } حتى تقلدونى تقليدا صحيحا { ألا تشركوا به شيئا } اعراب اجزاء الآية ان ما فيما حرم مصدرية او موصوفة او موصولة او استفهامية وعليكم ظرف متعلق بحرم او باتل او بهما او ابتداء كلام، وان فى ان لا تشركوا مصدرية ولا نافية او ناهية والنهى اوفق بما يأتى من عطف الامر عليه، وهو اما بتقدير اللام او خبر مبتدء محذوف اى المتلو او المحرم ان لا تشركوا واذا قدر المحرم مبتدء كان لا زائدة او هو مفعول فعل محذوف، اى اعنى ان لا تشركوا او عليكم خبر مقدم وان لا تشركوا مبتدء، او عليكم اسم فعل والا تشركوا منصوب به، او ان لا تشركوا مفعول اتل على ان يكون ما فى ما حرم مصدرية او هو بدل مما وابداله مما باعتبار حرمة الاشراك، او يكون لا زائدة او لفظة ان تفسيرية والجملة تفسير لاتل او لحرم وتفسيره لحرم باعتبار الاشراك، او ان لا تشركوا مفعول لوصيكم الله وهذا اوفق بقوله { وبالوالدين إحسانا } وعلى الوجوه السابقة فالتقدير احسنوا بالوالدين وللاهتمام بالوالدين اسقط الفعل ايهاما لعطفه على الجار والمجرور ليتوهم ان المعنى ان لا تشركوا بالوالدين احسانا، واتى بالمصدر للاشعار بان المقدر احسنوا واتى به موضع لا تسيئوا فانه الموافق لسابقه ولاحقه للدلالة على الاهتمام بالاحسان اليهما وعدم الاكتفاء بترك الاساءة، والوالدان اعم من الصورى والروحانى { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق } بالوءد وغيره { نحن نرزقكم وإياهم } فلا تخشوا الفقر { ولا تقربوا الفواحش } ما استقبحه العقل واستكرهه الشرع { ما ظهر منها } كالتى شاعت وصارت سيرة بينكم، كنكاح زوجة الاب وعبادة الاصنام وغيرها من السنن الرذيلة التى لا يرتضيها العقل ولم - تثبت فى شريعة آلهية، والنهى عن القرب مبالغة فى النهى عن الفعل { وما بطن } كالزنا وكل ما لم يصر شائعا وسيرة بينكم من المستقبحات العقلية والشرعية او المراد بما ظهر ما ظهر قبحه كالزنا واللواط لا ما ظهر ذاته كنكاح زوجة الاب وبما بطن ما بطن قبحه كنكاح زوجة الاب، او المراد بما ظهر ما ظهر منها على الاعضاء وبما بطن ما بطن فى النفوس كالرذائل النفسانية والخطرات السيئة والخيالات الفاسدة والعقائد الكاذبة، او المراد بالفواحش الزنا فقط اواعم منه ومما كان مثله فى القبح فى الانظار كاللواط وهذا اوفق بترتيب المعاصى كما لا يخفى على من تأمل فى الفقرات الثلاث، ولذا ورد تفسيرها فى الاخبار بالزنا ومثله، اعلم، ان ظلم الانسان وعصيانه اما ظلم لنفسه او ظلم لغيره، وظلم الغير اما مسر الى ذات الغير او الى ماله، واعظم مراتب ظلم النفس الزنا، واعظم مراتب ظلم ذات الغير ازهاق روحه، واعظم مراتب ظلم مال الغير أخذ مال اليتيم عدوانا، وبالفقرات الثلاث المصدرة باداة النهى اشار تعالى شأنه الى هذه الثلاثة { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ذكر خاص بعد العام للاهتمام به كما ان ما سبق على ذكر الفواحش كان ذكر خاص قبل العام لذلك بناء على تعميم الفواحش، واما اذا كان الفواحش خاصة بالزنا واللواط كان ذكر قتل الاولاد مقدما على الكل، وعدم الاكتفاء بذكر قتل النفس للاهتمام بوأد الاولاد وقتلهم وللتشديد فى حرمته { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } قبحه وسوء عاقبته فتتركونه.

[6.152]

{ ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } اى بالنية التى هى احسن وهى نية حفظ ماله ونفسه وانماء ماله { حتى يبلغ أشده } جمع الشد بالفتح كفلس وافلس او الشدة كالنعمة والانعم او مفرد، وعلى جمعيته فالمقصود الاشارة الى قوة جميع قواه البدنية والنفسانية وهو البلوغ الشرعى الذى فيه قوة قواه البدنية والنفسانية بكمال تميزه ودركه الخير والشر البدنيين والنفسانيين { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط } المراد بهما المعروفان وقد مضى فى بيان الميزان ما يمكنك التعميم به وكذا فى سائر فقرات الآية، والتقييد بالقسط اما للتأكيد او للمنع من اعطاء الزيادة على قدر الاستحباب فانه كالتبذير الممنوع او مورث لجهالة المكيل والموزون المفسدة للمعاملة ولذا جاء بقوله { لا نكلف نفسا إلا وسعها } معترضا فان القسط الحقيقى فى الايفاء هو اداء تمام ما حقه ان يؤدى بحيث لا يزيد ولا ينقص حبة وهو امر ليس فى وسع البشر { وإذا قلتم } فى حكومة اذا حكمكم الناس او فى شهادة او اصلاح او نصح او ترحم او سخط او معاش او معاد او واجب او مباح بألسنتكم او بسائر اعضائكم او بقواكم العلامة او العمالة { فاعدلوا } توسطوا بين الافراط والتفريط فى الاقوال والاحوال والافعال، والتأدية بصورة الشرط وبلفظ اذا والمضى للاشارة الى ان القول غير مأمور به لكن الانسان لا يخلو عن قول ما خصوصا على التعميم المذكور ويكون مأمورا بالتوسط فى القول { ولو كان ذا قربى } جسمانيا او روحانيا فى العالم الكبير او الصغير { وبعهد الله أوفوا } تقديم المعمول للاهتمام به ولشرافته ولابراز العلة للامر قبل الاتيان به لقصد الحصر او للحصر ايضا بناء على ان الوفاء بسائر العهود من شراط عهد الله، اعلم، ان العهد والعقد والميثاق والبيعة مع الله فى عرف اهل الله اذا اطلقت يراد بها البيعة العامة النبوية او البيعة الخاصة الولوية، وبالاولى يحصل الاسلام وبالثانية يحصل الايمان وتسمى تلك البيعة بيعة ومبايعة، لان البائع بتلك البيعة يبيع نفسه وماله بثمن هو الجنة كما قال تعالى:

إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة

[التوبة:111] وتسمى عهدا ومعاهدة لتعهد البائع والمشترى القيام بما عليهما وعقدا لانعقاد يد البائع على يد المشترى وميثاقا لاستحكام ذلك العهد بتقبل الشروط من الطرفين ووثوق كل بالاخر بذلك العقد، ولما كان المشترى منصوبا من الله ووكيلا منه فى تلك المبايعة صح نسبتها الى الله

إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم

[الفتح:10]،

إن الله اشترى من المؤمنين

Unknown page