242

Tafsīr al-ʿUthaymīn: Fuṣṣilat

تفسير العثيمين: فصلت

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٧ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وَاقرَؤوا إِنْ شِئتُم قولَه تَعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] صِدقًا باعتبارِ الإِخبارِ، وعَدلًا بِاعتِبارِ الأحكامِ.
قَولُه تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ، والتَّقديرُ: هوَ ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾، ولَعلَّ هذا التَّقديرَ أَوْلى؛ لِأنَّه يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجُملةَ استِئنافيَّة لِبَيانِ عَظمةِ هَذا القُرآنِ، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خَبرًا ثانيًا أو ثالثًا لقَولِه: ﴿وَإِنَّهُ﴾، فقَولُه: ﴿عَزِيزٌ﴾ صِفةٌ لكتابٍ، وقَولُه تَعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ يَجوزُ أَنْ تَكونَ صِفةً لكتابٍ أيضا، ويَجوزُ أَنْ تَكونَ خبرًا ثانيًا لـ"إنَّ"، وعلى هَذا فتَكونُ ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبرًا ثالثًا.
قَولُه تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ أي: مُنزَّلٌ من حَكيمٍ حَميدٍ، فإِذا فَسَّرنا ﴿تَنْزِيلٌ﴾ بأنَّه مُنزَّلٌ صارَ المصدرُ بِمَعْنى اسمِ المَفعولِ، والمَصدرُ يَأتي بمَعْنى اسمِ المَفعولِ، وبمَعْنى اسمِ الفاعلِ، والَّذي يُعيِّنُ ذلكَ هُو السِّياقُ.
قَولُه تَعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ حَكيمٍ أي: ذي حِكمةٍ وذي حُكمٍ، فالحُكمُ لله، والحِكمةُ في أَحْكامِه ﷿ فالرَّبُّ ﷿ مُتَّصِفٌ بالحُكمِ الَّذي لا مُعقِّبَ لَه، وبِالحُكمِ النَّافذِ الَّذي لا مانعَ لَه، وفي الدُّعاءِ المَأثورِ: "لا مانِعَ لمِا أَعْطَيتَ ولا مُعطيَ لمِا مَنعْتَ" (^١)، وأيضًا هو مُتَّصِفٌ بالحِكمةِ، فكُلُّ أَحكامِه حِكمةٌ، فإنْ نَظرتَ إلى الأحكامِ القَدَرَيَّةِ، وجدْتَها في غايةِ الحِكمةِ، وإنْ نَظرتَ في الأحكامِ الشَّرعيَّةِ وَجدتَها كَذلكَ في غايَةِ الحِكمةِ.
فهو ﷿ حاكِمٌ وذُو حكمَةٍ، وكَمْ مِن حاكمٍ لا حِكمةَ لَه، وكَمْ من حَكيمٍ لا حُكْمَ لَه:

(^١) أخرجه البخاري: كتاب الأذان، باب الذكر بعد الصلاة، رقم (٨٤٤)، وأخرجه مسلم: كتاب المساجد، باب استحباب الذكر بعد الصلاة، رقم (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.

1 / 246