الإِطلاقِ، لَيسَ هَذا بصَحيحٍ، وإنْ قُلتم: قَبِلَ الواقِعَ لكنَّهُ كَرِهَ الجِدالَ، فَهَذا هو الواقعُ؛ لأنَّه لو أَرادَ الإِنكارَ عليهما لَقالَ غَيرَ ذَلِكَ، لقالَ: لا حُجَّةَ لَكُما في هَذا، لكنَّه جَعلَ ذلكَ مِن بابِ الجَدَلِ الَّذي نَهَى عنه، فَقَدْ خَرجَ يَوما عَلى أَصْحابِه، وهُم يَتجادلونَ في القَدَرِ، فَغَضِبَ ﵊ كأنَّما فُقِعَ في وجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ، ونَهَى عنِ التَّنازُعِ فِي القَدَر (^١).
فإِنْ قال قائلٌ: ما مَعنى: قَبِلَ الواقعَ وكَرِهَ الجِدالَ؟
فالجَوابُ: قَبِلَ الواقعَ وهو احْتجاجُهم بالقَدَر، النَّائمُ في الحقيقَةِ ما عليه لَومٌ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] مِن اللهِ، فتقولُ: أَنفسُنا بأَيْدي اللهِ لَو شاءَ أن نَقومَ لقُمْنا، هذا واقعٌ، أَمَّا الجَدلُ فَكَونُه يُجادِلُ النَّبيَّ ﵊ بالقَدَرِ، هَذا أَمرٌ لا يَنبغي، ولهِذا تَشْعُرُ أَنَّه ما هو راضٍ، يَضرِبُ عَلى فَخِذِه ويَقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، والجَدَلُ قَد يَكونُ بِحَقٍّ ويُقبَلُ حَتَّى وإنْ كانَ فيهِ جَدَلٌ إذا كان بحقٍّ.
إِذَن المَخرجُ الثَّاني من قصَّةِ آدَمَ مع موسَى ﵉ أنَّ آدمَ احْتجَّ بالقَدَر على أَمرٍ مَضَى وانقَضى وتَخَلَّص منه، ولكِنْ قالَ: هَذا أَمْرٌ فَرَط مِنَي، ولكُلٍّ مِنهما وِجهةٌ.
ولَكنَّ الوِجهةَ الأُولى في ظَنِّي أنَّها أَقْوَى؛ لِأَنَّ موسَى لَا يُمكنُ أَنْ يَلومَ أَباه على أَمْرٍ تاب مِنه، لكنَّ الثَّانيَ لَه وِجهةُ نَظرٍ لا شكَّ، لكنْ لا نُنزِلُ قِضَةَ آدَمَ وموسى عليها بَلْ نَقولُ: هي في سائرِ النَّاسِ الآنَ لَو أنَّكَ لمُتَ شَخصًا على أَمْرٍ فَعَلَه مِن مَعصيةِ اللهِ، ثمَّ احتجَّ بالقَدَرِ بَعدَ أنْ تابَ، فأَنا أَقبَلُ مِنه، وهَذا يَقَعُ كَثيرًا، كثيرًا مَا يَفعلُ الإِنسانُ
(^١) أخرجه الإمام أحمد (٢/ ١٧٨)، وابن ماجه: كتاب المقدمة، باب في القدر، رقم (٨٥)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.