259

Tafsīr al-ʿUthaymīn: Fāṭir

تفسير العثيمين: فاطر

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٦ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

إن نَظَرْنا إلى ظاهِر الفِعْلِ قلنا: إنَّ القائِلَ هو الله؛ لأنَّ الذي عَمَّرَهُم هو الله ﷿، ويُحْتَمَلُ أن يكون القائِلُ هو المَلائِكَةَ، ولكِنْ لما كانت المَلائِكَةُ تقولُ بِأَمْرِ الله صار كأنَّ القائِلَ هو الله، فالمَلائِكَة تقول لأنَّهم جُنودُ الله: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ وأيًّا كان فالمقصودُ بهذا إقامَةُ الحُجَّةِ عليهم وتَوبيخُهُم وتَنْديمُهُم.
وَقَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ هذا السِّيَاقُ يُوجَدُ كثيرًا في القُرْآن، فتَأْتِي هَمْزَةُ الإسْتِفْهامِ وبعدها حَرْفُ العَطْفِ، وقد اختلف المُعْربونَ في مثل هذا التركيبِ.
فقيل: إنَّ الهَمْزَةَ داخلةٌ على مُقَدَّرٍ يُسْتَفادُ من الكَلَامِ، وهذا المقدَّرُ عُطِفَتْ عليه الجُمْلَةُ التي بعد حَرْفِ العَطْفِ.
وقال بعضهم: بل إنَّ الهَمْزَةَ داخلةٌ على الجُمْلَةِ المَوْجودَةِ لا على شَيْءٍ مَحْذُوف، لَكِنَّها قُدِّمَتْ على حَرْفِ العَطْفِ؛ لأنَّ لها الصَّدارَةَ فيكون التَّقْديرُ في قَوْله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾: (وَأَلَمْ نُعَمِّرْكُم) وتكون الواوُ هنا عاطِفَةً على قَوْلهِم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ هذا من حيث الإِعْرابُ.
أما من حيث المَعْنى فكما أَشَرْنا أولًا إلى أنَّ المُرَادَ بذلك التَّوْبيخُ والتَّنْديم وإقامة الحُجَّة؛ يعني: قد عَمَّرْناكم تَعْميرًا واسِعًا وَوَقْتًا طويلًا يتذَكَّرُ فيه من تَذَكَّر؛ لأنَّ الرُّسُلَ جاءتهم وأَمْهَلَتْهم ودَعَتْهم، ولكن أبَوْا وأَصَرُّوا على كُفْرِهم.
وكان أوَّلَ من أُرْسِلَ مِنَ الرُّسُلِ نُوحٌ ﵊، فماذا يقول له قومه؟
قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧] يَجْعلون أصابِعَهم في آذانِهِم لئلَّا يَسْمَعوا واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُم لِئلَّا يَرَوْا، وهذا يدلُّ على شِدَّةِ كَراهَتِهِم لما يقول، لا يُحِبُّون أن

1 / 263