244

Tafsīr al-ʿUthaymīn: al-Nūr

تفسير العثيمين: النور

Publisher

مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٣٦ هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

ونجد أن الله تَعَالَى يضرب مثلًا لما ينكره الكافرونَ من إحياء الموتى بإحياء الأَرْض بعد موتها؛ فإن الأَرْض تَكُون مَيْتَةً هامدة، فإذا أنزل الله عَلَيْها الماء اهتزت ورَبَتْ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
ونجد أنه هُنا في الْأَمْر المعنوي الَّذِي هو نور الله تَعَالَى في قلب المُؤْمِن، ونور الله ﷾ الَّذِي ينزله فيهتدي به المُؤْمِن، نجد أن الله تَعَالَى ضرب به مثلًا بهَذَا المِصباح الَّذِي في المِشْكَاةِ إلى آخِره.
قَوْلهُ: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ مناسبتُها للآية أنه ﷾ أعلم العالمينَ بما يطابق المثلَ مَضْرَبًا ومَوْرِدًا؛ لأَن المَثَلَ له مَضْرِبٌ وله مَوْرِدٌ، فالله ﷾ هو أعلم العالمين بهَذَا المَضْرِبِ والمَوْرِدِ، ومطابقة أحَدهما للآخر؛ لأنه قد يشبه الْإِنْسَان شيئًا بشَيْء، وعنْدَما تُمحِّصُ الْأَمْر وتُحقِّقُه لا تجد مشابهة، لكن الله ﷾ إِذَا ضرب مثلًا بشَيْء فإنَّه بكل شَيْءٍ عليمٌ، لا يخفى علَيْه أوجه المشابهة الَّتِي يتضمَّنها هَذَا المثل، فالله عليمٌ بكل شَيء في نفس المثل وفيما ينتفع به، وفي هذه الآية إِشارَةٌ بل تصريحٌ إلى عُموم علم الله ﷾، وأنه عليمٌ بكل شَيْءٍ فيما يَتعلَّقُ بأفعاله، وفيما يَتعلَّقُ بأفعال العباد.
والَّذينَ أنكروا العِلْم بأفعال العبادِ من القَدَرِيَّة يستدلونَ بآيات من متشابه القُرْآن، والله ﷾ حكيمٌ؛ ومن حكمته أن يجعل في وحيه متشابهًا، فيستدلونَ بمثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]؛ قالوا: ﴿حَتَّى﴾ للغاية، ومعنى ذَلِك أن الله ﷾ لا يعلم المجاهدَ والصابرَ إلا بعد أن يجاهدَ ويصبرَ.

1 / 249