يغفر الله له، أأحد يتقين هذا؟ لا أحد يتيقن، إذًا لا حجة في هذه للعاصي، ثم إن قوله تعالى: ﴿لمن يشاء﴾ نعلم أن الله حكيم، لا يشاء أن يغفر للمذنب غير الشرك إلا إذا اقتضت الحكمة أن يغفر ذلك، ومن منا يستطيع أن يقول إن حكمة الله تقتضي أن يغفر لي؟ لا أحد يقول هذا، بل لو قال هذا لقلنا: إن قولك هذا من أسباب المؤاخذة والمعاقبة؛ لأنك تأليت على الله.
ثم قال ﷿: ﴿هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأَرض﴾ أعلم بنا من ذاك الوقت الطويل البعيد ﴿إذ أنشأكم من الأَرض﴾، أي بخلق أبينا آدم، لأن آدم خلق من التراب، ثم صار طينًا، ثم صار صلصالًا، ثم خلقه الله بيده جسمًا ونفخ فيه الروح، فصار آدميًّا إنسانًا، هذا معنى قوله تعالى: ﴿إذ أنشأكم من الأَرض﴾، إذًا نحن من الأرض أول نشأة: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى﴾ أي الإخراج الذي ليس بعده وفاة يوم القيامة، ولذلك الآن بنو آدم كالأرض تمامًا، فيهم الحزم الصلب الشديد، وفيهم السهل، وفيهم ما بين ذلك، وفيهم الأبيض، وفيهم الأحمر، وفيهم الأسود، لأن الأراضي تختلف، هكذا، وقد ذُكر أن الله لما أراد أن يخلق آدم أخذ من كل الأرض سهلها وحزنها، وأسودها وأبيضها كلها (^١): ﴿وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم﴾ هذه النشأة الثانية (أجنة) جمع جنين وهو الحمل، وسمي الحمل جنينًا، لأنه مستتر ﴿وإذ أنتم أجنة﴾ أي مستترين ﴿في بطون
(^١) أخرجه الترمذي، كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة (رقم ٢٩٥٥) . وقال: هذا حديث حسن صحيح.