يقولون: إن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كاهن، فنفى الله ذلك، ثم قالوا: إنه مجنون يأتي بما لا يعرف، فكذبهم الله فقال: ﴿فمآ أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون﴾ هذه الجملة منفية مؤكدة بالباء، الباء الزائدة إعرابًا، المفيدة معنى، وأصلها (فما أنت بنعمة ربك كاهنًا ولا مجنونًا) لكن زيدت الباء توكيدًا للنفي، ثم قال الله تعالى: ﴿أم يقولون شاعر﴾ يعني بل أيقولون، و(أم) هذه تسمى عند المعربين منقطعة، يعني لا عاطفة، لأن (أم) تأتي عاطفة وتأتي منقطعة، فهنا منقطعة، والتقدير (بل أيقولون شاعر؟) والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار عليهم، والشاعر هو الذي يأتي بكلام مقفى ويتضمن شعره أحيانًا حكمًا، ولهذا جاء في الحديث: «إن من البيان لسحرًا» (^١) «وإن من الشعر لحكمة» (^٢) فيقولون: محمد شاعر ﴿نتربص به﴾ أي ننتظر به ﴿ريب المنون﴾ أي: حوادث الدهر وقوارعه، فيهلك كما هلك الشعراء من قبله، ولا يكون له أثر، فانظر - والعياذ بالله - كيف يترقبون موت الرسول ﵊ يقولون: هذا شاعر من جنس الشعراء يهلك وينتهي أمره، وقوله: ﴿ريب المنون﴾، قيل: إن المنون هو الدهر، وقيل: إن المنون هو الموت، وهما متلازمان، والمراد بذلك حوادث الدهر المهلكة المبيدة.
﴿قل﴾ في جوابهم ﴿تربصوا﴾ والأمر هنا للتهديد
(^١) تقدم ص ١١٨ وهو عند البخاري (٥١٤٦) .
(^٢) أخرجه البخاري، كتاب الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه (٦١٤٥) .