الجزيرة العربية، وكانوا قومًا أشداء حتى إنهم قالوا: ﴿من أشد منا قوةً﴾ فقال الله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً﴾ . فأصابهم القحط والجدب، فجعلوا يترقبون المطر، فأرسل الله عليهم الريح العظيمة الشديدة ﴿فلما رأوه عارضًا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا﴾ قال الله تعالى: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم﴾ . فأرسل الله عليهم هذه الريح العقيم التي ليس لهم فيها ثمرة ولم تحمل ماء: كالمرأة العقيم التي لا تلد، هذه أيضًا ريح عظيمة لا تحمل سحابًا ولا مطرًا، هذه الريح العقيم هي الريح الغربية، كما جاء عن النبي ﵊: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور» (^١) أي: بالريح الغربية، أرسل الله عليهم هذه الريح العقيم ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ كل شيء تأتي إليه تجعله كالرميم هامدًا، حتى إنها تأخذ الرجل - والعياذ بالله - إلى فوق ثم ترده إلى الأرض ﴿كأنهم أعجاز نخل خاوية﴾ . ﴿كأنهم أعجاز نخل منقعر﴾ . هلكوا عن آخرهم، تأمل الآية، قوم عاد قوم أقوياء أشداء هلكوا بهذه الريح اللطيفة، التي لا ترى لها جسمًا، وإنما تحس بها بدون أن ترى شيئًا، ومع ذلك قضت عليهم بأمر الله ﷿، ولهذا قال تعالى: ﴿ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ فهذا فيه آيات من آيات الله ﷿، أرسل الله عليهم هذه الريح، فأهلكتهم عن آخرهم.
(^١) أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب (٤١٠٥) ومسلم، كتاب صلاة الاستسقاء، باب في ريح الصبا والدبور (٩٠٠) .