96

Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm

تفسير القرآن الكريم

Regions
Egypt
تفسير قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم)
قال ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:٥٤].
قوله: «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ» لمَنْ مِنْ قومه؟ للذين عبدوا العجل من قومه؛ لأن بني إسرائيل ليسوا كلهم عبدوا العجل، فسبط: (بني لاوي) لم يعبدوا العجل، فالخطاب هنا موجه للذين عبدوا العجل من قومه من بني إسرائيل، والقوم: اسم للرجال دون النساء، فالأصل في كلمة (القوم) أنها تطلق على الرجال دون النساء، والدليل من القرآن آية في سورة الحجرات هي قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١] فغاير بينهما، فدل على أن القوم للرجال، ويقول الشاعر: ولا أدري وسوف إخالُ أدري أقوم آل حصن أم نساءُ يعني: أرجال هم أم نساء؟ فعبر عن الرجال بالقوم، وسموا قومًا لأنهم هم الذين يقومون بالأمور: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، فهم يقومون بالأمور، ويتولون الحروب والقيادة وغير ذلك.
«وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ» يعني: الذين عبدوا العجل: «يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ» إلهًا، ما إعراب العجل؟ مفعول أول للمصدر، والمصدر هنا عامل: (باتخاذكم العجل) والمفعول به الثاني محذوف وتقديره: إلهًا، يعني: يا قوم! إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلهًا؛ لأنهم قالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨].
(فتوبوا إلى بارئكم) أي: خالقكم، يعني: توبوا من عبادة العجل: «فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ»، ليقتل البريء منكم المجرم، والمقصود: الذين لم يعبدوا يقتلوا العجل الذين عبدوا العجل، ولم يكن الأمر موجهًا إلى جميع بني إسرائيل، وإنما كان الأمر موجهًا إلى الذين لم يعبدوا العجل أن يقتلوا إخوانهم ممن تلطخوا بعبادة العجل.
«ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ» الإشارة هي إلى القتل، يعني: فوفقكم الله لفعل ذلك، وأرسل عليكم سحابة سوداء مظلمة؛ لئلا يرى بعضكم بعضًا فيرحمه، حتى قتل منكم نحو سبعين ألفًا.
هذا هو القول الأول في تفسير: «فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ» يعني: يقتل البريء منكم المجرم، وبعض العلماء قالوا: هذا خطاب للكل، أن يقتل بعضهم بعضًا، فجعل القتل للقتيل شهادة وللحي توبة، فالذي يقتل يكون شهيدًا، والشهادة تمحوا عنه عبادة العجل، والذي يبقى حيًا فإن هذا يكون توبة من الله ﷾ عليه؛ لكن الذي اعتمده هنا الإمام السيوطي: قوله: «فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ» أي: ليقتل البريء منكم المجرم الذي عبد العجل، والذين لم يعبدوا العجل هم من سبط (بني لاوي) سبط من أسباط بني إسرائيل من أبناء يعقوب ﵇، فهؤلاء اللاويون هم الذين لم يعبدوا العجل، «فَتَابَ عَلَيْكُمْ» أي: قبل توبتكم «إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ».

6 / 5