Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm
تفسير القرآن الكريم
Genres
•General Exegesis
Regions
Egypt
تفسير قوله تعالى: (كما أرسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم)
قال ﵎: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥١ - ١٥٢] في الآية السابقة في قصة إبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة:١٢٩] فهنا الزاي والكاف قريبة من ختام الآية: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:١٢٩] ففيها الزاي والكاف، ففي آخر دعاء إبراهيم ﵇ أن يزكيهم، وفي آخر الآية العزيز الحكيم، والتزكية بالزاي والكاف قرينة للعزيز الحكيم، أما هنا فقال: (يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).
قوله تعالى: (كما أرسلنا) هذا متعلق بأتم أي: (ولأتم نعمتي عليكم) كما أرسلنا، يعني: أتمها أتمامًا كإتمامها بإرسالنا فيكم رسولًا منكم محمدًا ﷺ، (يتلو عليكم آياتنا) أي: القرآن، (ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك (ويعلمكم الكتاب) وهو القرآن الكريم (والحكمة) وهي ما فيه من الأحكام، وقد ذكرنا من قبل أن أي آية يأتي فيها ذكر الكتاب مقرونًا بالحكمة في سياق الامتنان على هذه الأمة المحمدية فلا بد من تفسير الحكمة بأنها.
سنة النبي ﵌، وهذا باتفاق من السلف، (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون).
(فاذكروني أذكركم) يعني: اذكروني بالصلاة والتسبيح وغيره (أذكركم) يعني: أجازيكم، وفي الحديث القدسي عن النبي ﷺ عن الله تعالى قال: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملئه) متفق عليه.
(واشكروا لي) أي: نعمتي بالطاعة (ولا تكفرون) يعني: بالمعصية.
(كما أرسلنا فيكم) يعني: أيها العرب (رسولًا منكم) المراد به أيضًا من العرب، وفي إرساله فيهم ومنهم نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب: الأنفة الشديدة من الانقياد إلى الغير، فهم لا ينقادون لغيرهم من الأمم، فبعث الله تعالى من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.
(يتلو عليكم آياتنا) أي: يقرأ عليكم القرآن الذي هو من أعظم النعم؛ لأنه معجزة باقية، ولأنه يتلى فتؤدى به العبادات ويستفاد منه جميع العلوم ومجامع الأخلاق الحميدة، فتحصل من تلاوته كل خيرات الدنيا والآخرة.
(ويزكيكم) أي: يطهركم من الشرك والأفعال الجاهلية وسفاسف الأخلاق (ويعلمكم الكتاب) يعني: القرآن، وهذا ليس بتكرار؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم، ففي صدر الآية (يتلو عليكم آياتنا) فهذا مجرد تلاوة الآيات، أما هنا (يعلمكم الكتاب والحكمة) وهي العلم بسائر الشريعة التي يشتمل القرآن على تفصيلها؛ ولذلك قال الشافعي ﵁: الحكمة هي سنة الرسول ﷺ.
(ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون) إشارة إلى أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، والخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم، فبعث الله تعالى النبي بالحق حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وفي هذا ذم لمن لم يعرف قدر هذه النعم، ذم للذين لا يشكرون الله ﷾ على نعمة الإسلام ونعمة القرآن والوحي الذي علمنا الله به ما لم نكن نعلم، وهذا كقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم:٢٨] قال ابن عباس: يعني: كفرًا بنعمة الله بمحمد ﷺ، فأعظم نعمة امتن الله ﷾ بها على البشرية هي بعثة محمد ﵌ سيد الأولين والآخرين، فهم بدلوا نعمة الله كفرًا، أنعم الله عليهم بالرسول فكفروا به وكذبوه وجحدوه وحاربوه، (وأحلوا قومهم دار البوار)، ومن أجل ذلك ندب الله المؤمنين إلى الاعتراف بهذه النعمة، ومقابلتها بذكره وشكره، فبعدما قال تعالى: (كما أرسلنا) الآية قال: (فاذكروني) يعني: كما أنعمت عليكم بهذه النعمة فاشكروها لي، فهناك ربط بين أول هذه الآية وبين الآية التالية، (فاذكروني أذكركم واشكروا لي) أي: هذه النعمة ولا تكفروا بها، (فاذكروني أذكركم) أي: اذكروني -أيها المؤمنون- بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم، وقد كان بعضهم يتأول ذلك: أنه من الذكر بالثناء والمدح، وقال القاشاني: اذكروني بالإجابة والطاعة: أذكركم بالمجيب والثواب، وهذا هو معنى ما قبله، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] إذا ذكرتموني بإجابتي وبطاعتي وبعبادتي أذكركم بالمزيد من النعم وبتواليها عليكم، (واشكروا لي) يعني: فيما أنعمت عليكم من الإسلام والهداية للدين الذي شرعته لكم، (ولا تكفرون) يعني: لا تجحدوا إحساني إليكم فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم.
وقال السمرقندي: النعمة في الحقيقة هي العلم، وما سواه فهو تحول من راحة إلى راحة وليس بنعمة، فالعلم لا يمل منه صاحبه، بل يطلب منه الزيادة، فأمر الله تعالى بشكر هذه النعمة وهي نعمة بعثه رسولًا يعلمهم الكتاب والحكمة، ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ووقائعهم جعل الله تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرً﴾ [البقرة:٢٠٠] فالانشغال بذكر الله ﷾ بدل القعود فيما كانوا عليه في الجاهلية، فإنهم كانوا إذا انقضت المناسك يتفاخرون بالآباء والأجداد وبالعظام البالية الجاهلية، فالله تعالى يقول لهم: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا) أي: دعوكم من موضوع الافتخار بالآباء، وانشغلوا بذكر الله ﷾، فالله ﷾ هنا لما علم أن من طباع العرب: ولعهم وشغفهم بذكر آبائهم ووقائع آبائهم جعل تعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون، كما جعل كتابه عوضًا عن أشعارهم، فالقرآن عوض عن الشعر الذي كانوا يتناشدونه، وذكرهم الله وذكر الله إياهم عوض عن التفاخر الذي كانوا يتفاخرون به بآبائهم، فهز عزائمهم بذلك بما يسره به من ذكره لهم، روى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يقول الله ﷿: أنا مع عبدي حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرًا اقتربت إليه ذراعًا، وإن اقترب إلي ذراعًا اقتربت إليه باعًا، فإن أتاني يمشي أتيته هرولة) أخرجه البخاري.
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أنهما شهدا على النبي ﷺ أنه قال: (لا يقعد قوم يذكرون الله ﷿ إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده) والأحاديث في فضل الذكر متواترة، ويكفي فيه هذه الآية الكريمة: (فاذكروني أذكركم) جزاء أن تذكروا الله أن يذكركم الله، ولذلك بكى أبي بن كعب لما علم أن الله ﷾ تكلم باسمه، قال: (أذكرني باسمي؟ قال: نعم، فبكى أبي رضي الله تعالى عنه) وهذا بلا شك شرف عظيم أن يذكرك الله، فاذكر الله يذكرك الله.
أما قوله: (واشكروا لي ولا تكفرون) ففيه أمر بشكره على نعمه وعدم جحدها، فالكفر هنا كفر النعمة لا الشرك به، والكفر يطلق إما على الستر والتغطية، تقول: كفر البذر يعني: غطاه (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩] والتكفير للبذرة يعني دفنها في الأرض وكذلك الكفر هنا المقصود به: لا تكفروا نعمتي، وليس المقصود به هنا: كفر التكذيب، وقد وعد الله تعالى على شكره بمزيد الخير فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] قال ابن عطية: اشكروا لي واشكروني بمعنى واحد، واشكروا لي أفصح وأبلغ من الشكر.
فيمكن أن تقول: أشكرك، أو تقول: أشكر لك، وأشكر لك أفصح وأبلغ، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] والذي أتى في القرآن أن الشكر يتعدى باللام، فيكون أبلغ وأفصح.
12 / 7