Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm
تفسير القرآن الكريم
Genres
•General Exegesis
Regions
Egypt
تفسير قوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم)
قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦] أي: يعرفون محمدًا ﷺ (كما يعرفون أبناءهم) أي: بنعته في كتبهم، قال عبد الله بن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، ومعرفتي لمحمد ﷺ أشد، يعني من شدة انطباق الصفات الموجودة في التوراة وفي الكتب السابقة في شأن الرسول ﵊، فهو يعرفه أشد من معرفته ابنه مع أن ابنه رآه بنفسه، وهذا وصف عن غيب لم يره، لكنه لما رآه صارت معرفته بالرسول ﷺ أشد من معرفته بابنه؛ ولذلك أسلم عبد الله بن سلام رضي الله ﵎ عنه وكان من خيرة الصحابة ﵃ أجمعين.
ومن هذه البشارات قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] حتى صفات الرسول ﵊ الجسدية وجدت في التوراة، ومن أبرزها ختم النبوة أو خاتم النبوة، وإلى اليوم فإن الإشارة إلى ختم النبوة وإلى العلامة التي بين كتفيه موجودة في التوراة وفي كتبهم، فهو لا يلتبس عليهم، وهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم فلا تلتبس أشخاص أبنائهم بغيرهم، فشبه المعرفة العقلية الحاصلة بمطالعة الكتب السماوية بالمعرفة الحسية؛ لأن كلًا منهما يقيني لا اشتباه فيه، وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال لـ عبد الله بن سلام ﵁: أتعرف محمدًاَ كما تعرف ولدك؟ قال: نعم وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه، فقبل عمر رأسه.
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ [البقرة:١٤٦] وإن من أهل الكتاب مع ذلك التحقق ومع ذلك الإيقان بصفته، (ليكتمون الحق) أي يخفونه ولا يعلنونه، (وهم يعلمون) أي: وهم يعلمون الحق، ويعلمون عاقبة ترك الحق، ولم يقل ﵎ مثلًا: وإن فريقًا منهم ليكتمونه وهم يعلمون؛ لأن في إظهار كلمة الحق وتفضيلها على الضمير إشارة إلى طبيعة هذا النبي، ولكنهم ينكرونه ويجحدونه (وهم يعلمون) وفي هذا إشارة إلى فظاعة ذنبهم، لأن المرتكب ذنبًا عن جهل ليس كمن يرتكبه عن علم؛ ولذلك قال تعالى: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) الحق من ربك: يعني الحق كائن من ربك، (فلا تكونن من الممترين) أي: الشاكين في هذا الأمر، فلا تكونن من هذا النوع، وهذا أبلغ من قوله: الحق من ربك فلا تمتر، ولكن قال: (الحق من ربك فلا تكونن من الممترين) يعني الشاكين، يقول الراغب: وليس هذا نهيًا عن الشك؛ لأن الشك لا يكون بقصد من الشاك، بل قوله تعالى: (فلا تكونن من الممترين) حث على اكتساب المعارف المزيلة للشك واستعمالها، وعلى ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود:٤٦].
12 / 4