Tafsīr al-Qurʾān al-Karīm
تفسير القرآن الكريم
Genres
•General Exegesis
Regions
Egypt
شهادة أمة محمد على غيرها من الأمم
هذه الأمة أمة وسط لأنها لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، فالنصارى غلو حتى عبدوا المسيح ﵇، واليهود جفو حتى شتموا الأنبياء وسبوهم ورموهم بعظائم الأمور، وفي الأثر: (خير الأمور أوسطها)، وثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يدعى نوح ﵇ يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب! فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول الله ﷾ لنوح ﵇: من يشهد لك؟ فيقول نوح ﵇: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، فذلك قوله ﷿: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا» [البقرة:١٤٣]).
من أين ستشهد هذه الأمة أن نوحًا بلغ؟! لأنهم يؤمنون بالقرآن، والقرآن حكى لنا أن نوحًا ﵇ بلغ أمته، وهو خبر الله ﷾ الذي لا مراء فيه.
وفي رواية ابن المبارك: (ستقول فيكم الأمم: كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟! فيقول لهم الرب ﷾-يعني للمسلمين-: كيف تشهدون على من لم تدركوا؟ فيقولون: ربنا بعثت إلينا رسولًا، وأنزلت إلينا عهدك وكتابك، وقصصت علينا أنهم قد بلغوا، فشهدنا بما عهدت إلينا، فيقول الرب: صدقوا، فذلك قول الله ﷿: (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا».
وقال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب ثناء الناس على الميت، حدثنا آدم قال: حدثنا شعبة قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: (مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرًا، فقال النبي ﷺ: وجبت، ثم مروا بأخرى، فأثنوا عليها شرًا، فقال: وجبت، فقال عمر بن الخطاب ﵁: ما وجبت؟ قال ﷺ: هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرًا فوجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض)، قال الحافظ: المراد بالوجوب الثبوت؛ لأن الشيء الثابت في صحة الوقوع كالواجب، والأصل أنه لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضله والعقاب عدله، لا يسأل عما يفعل.
وقال أيضًا في قوله ﷺ: (أنتم شهداء الله في الأرض) أي: المخاطبون بذلك من الصحابة ومن كان على صفتهم من الإيمان، والبعض خصص ذلك بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، والصواب أن ذلك يختص بالثقات المتقين.
ويقول ﵎: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا﴾ [النحل:٨٩]، وهذا أيضًا بنفس معنى هذه الآية الكريمة.
قوله ﵎ هنا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، هذه اللام إما أنها لام الصيرورة والعاقبة، وإما أنها لام التعليل، فإذا قلنا: إنها لام الصيرورة والعاقبة، فالمعنى: وكذلك جعلناكم أمة وسطًا؛ فآل الأمر بهدايتكم وجعلكم وسطًا أن كنتم شهداء على الناس.
والناس هنا أهل الأديان الأخرى، وإذا قلنا أنها لام التعليل وهذا هو الأصل فالمعنى: جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا: أي: لأجل أن تكونوا شهداء على الناس أي رقباء عليهم، لدعائهم إلى الحق وإرشادهم إلى الهدى، وإنجائهم مما هم فيه من الزيغ والضلال، كما كان الرسول شهيدًا عليكم بقيامه عليكم بما بلغكم وأمركم ونهاكم وحذركم وأنذركم، وعلى هذا القول، فتكون هذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فكذلك هنا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا﴾ [البقرة:١٤٣]، وهذا تعليل، أي: كي تكونوا شهداء على الناس، فالوسط بمعنى الخيار، وقد صرح به في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] وإلى هذا المعنى يشير مجاهد في تفسيره لهذه الآية الكريمة حيث قال: لتكونوا شهداء لمحمد ﵊ على الأمم: اليهود والنصارى والمجوس، لأنكم نواب عن رسول الله ﷺ في إقامة الحجة على الأمم.
يعني أن هذه الأمة نائبة عن الرسول ﵊ في إقامة الحجة، فإذا قصرت هذه الأمة في ذلك فكيف يصلحون أن يكونوا شهداء؟ وكيف تكونون شهداء وأنتم ما بلغتموهم وقصرتم في إقامة الحجة عليهم؟ فلا بد أن نُشهِد نحن الأمم جميعًا على أحقية إرساله ﷺ إليها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وظيفة هذه الأمة كما وصفها الله ﵎ بذلك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] وكما وصف نبيه ﵊ بقوله: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:١٥٧]، ووصف المؤمنين بقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١].
11 / 20