367

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

ما كان منه وهم في الطريق إلى نفزاوه ومعهم أموال سمعت من غير واحد من المشائخ حكايات في مناقب الشيخ أبي يحيى زكرياء بن صالح، منها ما هو في باب الجود والكرم، ومنها ما هو في الكرامات وعجائب البطائن، ويمن الناصية وبركة الرأي فمن ذلك ما سمعته مرارا عن أبي -رحمه الله- قال: وصل الشيخ أبو زكرياء ذات مرة من سلجماسة إلى وارجلان، ثم خرج من وارجلان متوجها إلى جربة في جماعة من أصحابه يكونون خمسة وعشرين راكبا، أو عشرين راكبا ومعهم قريب من مائتين وخمسين مثقالا ذهبا تبرا، لما صاروا ببعض الطريق بين وارجلان ونفزاوة وأصبحوا راحلين غادين بين كثبان رمل أشرفوا من أعلى كثب فرأوا نعما كثيرا في المرعى، ومن ورائها أحياء فأيسوا من السلامة، إلا إنهم تضاموا وأخفوا شخوصهم قبل أن يراهم أحد، ثم تشاوروا فيما بينهم، فقائل يقول " ندفع ما معنا" وقائل "نولى خلفنا" وقائل " نرسل إليهم من يجاعل على سلامتنا بجزء مما معنا" ثم قالوالي: ما عندك ياشيخ البركة؟ فقال: إنما مثلنا مثل أعمى سلم عينيه إلى القادح ليقدحها رجاء انجلاء العمى، فإن أبصر نورا فبفضل من الله ولطفه به، وإن لم يبصر فإنما كان أعمى وبقي أعمى، وكذلك نحن، وعندي رأى هو بمنزلة القدح فإن فعلنا ونجونا فبلطف من الله، وإن عطبنا فنحن عاطبون من قبل ذلك، قالوا: وما رأيك المبارك إن شاء الله ؟ قال: أرى أن نستدير مع بعض الأحقاف إلى أقرب قطيع يلينا من النعم الذي رأيناه، فنخرج إلى القطيع على حين غفله من أرباب الإبل ورعاتها، ثم ندخل في وسط القطيع، ثم نقول لهم: نحن دخلاء هذه الإبل، ففعلوا فعند مروقهم من بين الكثبان ودخولهم الإبل رأتهم فرسان، فما كان بأسرع من اتيان الخيل إليهم مثنى وفرادى متوجهين مرجفين، فإذا هم من "المغترف" وللمغترفين إذ ذاك أحساب طيبة، وإذا برب القطيع من أشرف أول فارس، فقال لراعى ابله: ما هذا ؟ قال: لا أدرى،إلا أن الإبل كانت ترعى فلم أشعر إلا والركبان كانت في وسطها، وقالوا: نحن دخلاء لصاحب هذا الإبل، وقال الفارس لهم: أمان الله، وإذا بالخيل تركض فقال لهم: لا تتعبوا خيلكم فقد حرموا، قال: فأنزلهم وأكرم مثواهم، ثم صحبهم أو أصحبهم من خيله من بلغهم إلى مأمنهم من قراى "نفزاوة" .

مكانة الشيخ لدى العبيديين بمراكش

وسمعت من جماعة منهم أبي -رحمه الله- أن الشيخ أبا زكرياء يحيى كان بمراكش في أيام ولاته لها، فلبغت عندهم منزلته مبلغا عظيما وكان له بها جاه عظيم لما أشتهر من أمانته وصلاحه، ومحافظته على دينه، ولما ظهر من كراماته وبركاته، وكان مختصا بيعقوب(1) وهو إذ ذاك وزير أبيه وقبل أن يلي الوزارة فكان يلبي له كل مطلب، ولا يكاد يحرجه في كثير من المسائل إلى أبيه إلى أن قال يوما عرفني بكل سبب تأمله عند أمير المؤمنين لأتكفل لك به عنده وأسعى لك في كتاب كريم يكون لك ظهيرا، وأتمشى لك به كلما تحب، فقال له: بل إن عندي شيء أريد أن ألقيه إليك، قال: وما هو؟ قال: صح عندي بدليل لا أرده أنك الذي تلي الخلافة بعد أبيك دون من سواك من بنيه، وأراك أن تكتب لي ظهيرا بما ذكرته فيكون منك، ولا أحب أن يكون من سواك، فقال له: إن كتابي لا ينفعك شيئا، ثم من أين لك ما ذكرته؟ قال له: ما ذكرت لك إلا قولا صحيحا، فكن منه على يقين، ولا أعتقد النفع إلا في كتابك، فاستبشر وكتب له بما أحب، فلما ولى انحدر إلى إفريقية بعسا كره فوقف إليه وذكره الموطن وأحضر كتابه، فضاعف إكرامه وقضى مسائله، وأعلى منزلته وشفعه في كل من شفع فيه، وانتفع بعنايته جميع أهل الجزيرة بل أكثر أهل المذهب إلا ما شاء الله.

------------------------

1- هو يعقوب المنصور من أحفاد عبدالمؤمن مؤسس الدولة الموحدية وله أعمال هامة في بجاية والمهدية مات سنة 580ه.

Page 277