Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib
طبقات المشايخ بالمغرب
الصلح الذي تم على يده بين أهل درجين وحدثونا أنه وقعت فتنة ببلاد درجين السفلى الجديدة، فأفضت إلى حرب الأوطان وذهاب الأنفس والأموال، وأشفى كلا فريقيها على التلاشي فبلغ ذلك أهل الدعوة في الجهات الشرقية والغربية، فعظم عليهم ما نال أهل درجين من الضعف واستبدال أحوالهم، واستبعدوا استصلاح حالهم بعدم الأسباب المعينة على ذلك، فحرك الله سبحانه إلى ذلك أبا عبدالله محمد ووفقه لما يحبه ويرضاه من امتثال أمره في الإصلاح بين الفئتين من المؤمنين إذا اقتتلوا، ونصرة السبيل الذي منه يتوصل إلى إصلاح ذات بينهم فقدم من سوف إلى أن وصل "درجين" فتمادى إلى خارج ربض "نفطة" ولم يدخل درجين، فنزل إليه من يربط نفطة من العزابة، فيهما الحاجان يخلف بن يخلف، ومحمد ابن سعيد، فرغب إليه يخلف في النزول إلى الضيافة فامتنع، وقال أنا جئت لمهم ولا أبدأ بغيره حتى يقضيه الله وييسره وأنا أحب معاونتكم بأن تستحضروا له كل مهاجر إليكم، وفارق لوطنه بسبب هذه الفتنة، وترغبوا إليهم في الدخول في هذا الصلح، فإنهم عندي أشد ممن في درجين، وأرجوا أن أجد ممن في درجين من المطاوعة ما لا أجده فيمن عندكم، فأغيثوني بإحضارهم و هلموا بهم إلى خارج درجين، فصحبه عزابة الربض ومعهم من طاوعهم من أضيافهم من بني درجين والأكثر قد طاوعوا أو أنابوا، ولما صاروا بأجمعهم مع الشيخ أبي عبدالله حول مسجد قنطرأر الفوقية خرجت إليه جماعة بني درجين من كلا الفريقين، فيهم الواتر والموتور، ورغب إلى أولياء الدماء فعفوا عنها، وندب جميعهم إلى الصلح فأجابوا، وعقد بينهم الصلح، فلما اصطلح الفريقان استدعى سبع حصيات من أيدي سبعة رجال حجاج حضروا حينئذ، ثم قال: هذه حصيات تناولتها أيد قد استلمت الحجر الأسود، وحفر في الأرض على قدر ذراعين حتى غاب عاتقه ودفن الحصيات، ثم قال: هذه فتنة أهل درجين قد دفنت فمن أثارها جعل الله بأسه في رأسه، فآمنوا كلهم على دعائه، وقطع الله تلك الفتنة إلى اليوم، وكان الذين تخلفوا بالربض وأبوا أن يحضروا الصلح وأن يرجعوا إلى البلد ثلاثة أشخاص، فدعا عليهم فلم يعقبهم خيرا، ودعا للذين عفوا عن الدماء وأنابوا إلى الصلح فنموا وكثروا.
وذكروا عنه أنه قال: دعوى القبائل هي التي تحرك الفتن فادعوا الله على من دعا بها، ففعلوا، فلما انعقد الصلح دخل وتضيف وحمد الله تعالى وشكره على ما جرى على يديه من الخير والصلح.
وذكروا عنه أنه لما عزم على السير إلى الحج أودع عند الشيخ أفلح المرغني مائتي دينار، فلما قدم بعد عامين، قال له: ما فعلت الوديعة يا أفلح؟ قال: أكلها الزمان يا محمد فلم يسأله عنها حتى لقي الله تعالى.
وكان أبو عبدالله عظيم القدر في أهل المذهب بحيث لا يجهل موضعه، ولا يجحد حقه، ولا ينكر فضله فمما يشهد بذلك قصيدة الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي الحجازية وقد حضرت الفقيه أبي العباس أحمد مرارا وفي يده ديوان شعر أبي يعقوب فإذا قرأ لنا القصيدة المذكورة وبلغ قوله فيها
إلى قوله: ومغراوة عليا زنانة كلها يقول لنا لم يسافر في ذلك الركب من مغراوة غير أبي، يعني الشيخ أبا عبدالله فيسلم له بذلك جميع من حضر من مغراوة، وناهيك بواحد يقوم مقام جماعة في مثل تلك القصيدة التي بقيت تاريخا.
Page 274