363

Ṭabaqāt al-mashāyikh biʾl-Maghrib

طبقات المشايخ بالمغرب

ووجه العذر له في ترجيح الكتابين ظاهر، وهو أنهما كلام عربي غير متكلف مع كثير ما تجد في مسائلهم المسند إليه، والمعتمد فيهما غير المبتدئين، فكأنهما أرفق لنفوس النجباء مثل أبي يعقوب، ولقد حدثني أبو الربيع عن أبي الحاج أبي عبدالله محمد بن سعيد -رحمه الله- ، أنه يحكي عن جدي يخلف حكاية تدل على براءته مما قذف به، قال أبو عبدالله: خرجنا حجاجا مع شيخنا يخلف بن يخلف حتى إذا كنا "بعقاب" قدم علينا في وقت المساء رجل لا نعرفه، فرأيناه يسأل عنا، فقال له يخلف: من هذا السائل؟ وممن هو؟ قال أنا ابن صباح المزاتي ، فاستحال ذلك شيخنا فبادره بأن قال: كذبت، قال أبو عبدالله وما رأيته قط عجل بسوء معاملة قاصدا إلا تلك الليلة، ثم تدارك فسأله ما شأنك؟ وما وراءك؟ قال: قدمت مع عمي يوسف بن خلفون وأعلمه بأمور دلت على صدقه فجعل يستغفر الله ويتوب مما فرط منه فقال له: وأين عمك يوسف؟ قال يبيت عندكم الليلة المقبلة، قال أبو عبدالله: فلما كان في الليلة المقبلة لحق بنا هو ومن معه، فلما حل بنا أبو يعقوب لم يمكنا إقبال عليه لأنا قد خرجنا من بلادنا والعلم عندنا بأنه في الهجران، ولا علم عندنا بتوبته ولا غيرها، فجهدنا أنا نتأسى بشيخنا فلما تقدم فيه تقدمنا، قال فلما نزل الشيخان وضع شيخنا يده في يد أبي يعقوب وتنحيا عنا غير بعيد، فجعل يثرب عليه ويعدد ما نسبوه إليه بتثريب، لم نفهم منه إلا ما عاينا الشيخ كلما ذكر خطيئة خط بإصبعه في الأرض فكلما عد عليه شيئا ذكر وجهه وسببه واعتذر، واستغفر، حتى أتى على جميعها وظهرت براءته وكان الشيخ يخلف يقول له في تثريبه: يا ابن خلفون كيت وكيت ثم يخط، ويقول: يا ابن خلفون كيت وكيت، وأطال العتاب، وأبو يعقوب مطرق إلا أنه مهما عد عليه شيئا ذكر عذره ووجهه، وسببه حتى توجه عند الشيخ عذره فسمعنا شيخنا يقول الحمد لله رب العالمين، وقاما معا واعتنقا وقمنا نحن أيضا وسلمنا على الفقيه أبي يعقوب وسلم علينا وتأنسنا به، وسرنا إلى بلد الله الحرام، فأدركنا هنالك ركب إخواننا أهل عمان، ومعهم فقيههم الذي حج بهم يسمى ناجية بن ناجية، قال أبو عبدالله: فحججنا حجة لم يحججها مغربي قبلنا ولا بعدنا وذلك أنه لا يضيق الحال بأحد من أصحابنا أو تنزل عليه نازلة من مسائل المناسك أو غيرها من مسائل الدنيا إلا والاها أحد الفقهاء الثلاثة، فيجد عنده الشفاء فيما يأتي أو يذر، ورجعنا إلى بلادنا وأبو يعقوب راض مرضي عنه.

وبلغنا عن بعض من عاصره أنه قال قدمت من جهة طرابلس بعد قراءتي فيه على الشيخين أبي محمد عبدالله و أبي عمران موسى النفوسيين مسائل المذهب فقصدت جهة وارجلان لألاقي الشيخ "أبا رحمة اليكشي" وأعرض عليه ما أخذت، قال فاجتزت على"تينبماطوس" وبها الشيخ أبو يعقوب ثم جئت إلى أبي رحمة "بايفران" فلما رآني قال لي: على "تينماطوس" كان طريقك؟ قلت: نعم، قال: هل سلمت على فلان؟ قلت: لا، قال: لو سلمت عليه لم أسلم عليك، فهذا الخبر وشبهه لعله كان قبل أبي يعقوب إلى الحج، أو كانت وحشة بين الشيخين لا ذنب فيها على أحدهما، أو لا ذنب فيها على أبي يعقوب، وإلا فليكن صحيح اعتقادك على ما حكاه أبو عبدالله بن سعيد.

ومما قيد من تعليقات أبي يعقوب للأجوبة عن المسائل التي سأله عنه سائل فكتب بها إليه وبين ما في جميعها من أقاويل العلماء، فوجه ما قال أصحابنا، واستدل على صحته بأدلة قاطعة، رسالته إلى أهل جبل نفوسة مشتملة على فقه ووعظ.

-----------------------------------

1- لعل الكتاب هو كتاب الأشراف على مذاهب الأشراف لأبي بكر النيسابوري الشافعي المتوفى سنة318 ه جمع فيه المذاهب الإسلامية وقد علق عليه الشيخ أبي سعيد الكدمي العماني وسمى كتابه زيادات الأشراف وكتابه هذا من ضمن المخطوطات أما إنكار العزابة منه مطالعة مثل هذا الكتاب فرأي شخصي وقد وجهه المؤلف وليس رأيا عاما لعلماء المذهب الإباضي كما يدل على ذلك صنيع الشيخ أبي سعيد الكدمي.

Page 271