ثالثًا: ودلت الآيات كذلك على ذم الله للبطر والفرح بالدنيا وزهوتها، والاغترار بالمال إثر نصيحة قوم قارون له. قال الآلوسي: " والفرح بالدنيا لذاتها مذموم، لأنه نتيجة حبها والرضا بها، والذهول عن ذهابها، فإن العلم بان ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح حتمًا، كما قال أبو الطيب:
أشدُّ الضم عندي في سرور
... تيقن عنه صاحبه انتقالًا «١»
ولذلك قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ «٢»، وعلل سبحانه النهي هاهنا بكون الفرح مانعًا من محبته ﷿، فقال تعالى: ﴿انَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، فهو دليل على أن الفرح بالدنيا مذموم شرعًا. وإنما قلنا إن الفرح بها لذاتها مذموم، لأن الفرح بها لكونها وسيلة إلى أمر من أمور الآخرة غير مذموم.
وليس المقصود هو النهي عن الفرح مطلقًا، فالفرح والحزن فطرة فطر الناس عليها، فالمؤمن يفرح بما يفرحه ويشكر الله على ذلك وإذا أصابه ما يحزنه يصبر. فالفرح المنهي عنه هو فرح البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، ولما في هذا الفرح من تفضيل الدنيا على الآخرة التي هي دار الخلود" «٣» .
(١) ديوان المتنبي. أبو الطيب المتنبي. دار صادر. بيروت: ص ٢٢٤.
(٢) سُوْرَة الحَدِيْد: الآية ٢٣.
(٣) روح المعاني: ٢٠ /١١٢.