Silsilat al-qiṣaṣ
سلسلة القصص
ما يستفاد من الحديث
هذا الحديث فيه فوائد عظيمة للغاية منها: أولًا: مشروعية الاقتراض عند الحاجة.
ثانيًا: أن الأجل في القرض جائز.
وكتابة الأجل في القرض جائز، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢].
ثالثًا: وجوب الوفاء بالدين.
أي: وجوب الوفاء بالموعد الذي حدده الإنسان لنفسه فيما بينه وبين صاحبه.
وكثير من الناس الآن الذين يعَدِون بإرجاع المبالغ في الوقت المعين لا يرجعونها في الوقت المعين، فإما أن يؤخروه وإما أنهم لا يعيدوه أصلًا؛ وهذا حال كثير من الناس مع الأسف.
رابعًا: اتخاذ كافة الوسائل والأسباب لإعادة الدَّين إلى صاحبه في الوقت المعين.
ولنا في هذا الرجل مثلٌ وقدوة، كيف أنه لما لم يجد مركبًا ولا يريد أن يتأخر عن صاحبه، والمسألة فيها الله شهيدًا وكفيلًا، فوضعها في الخشبة، وأرسلها في البحر مع احتمال الوصول وعدمه؛ خشبة في البحر ربما تغرق، أو تذهب إلى شاطئ آخر، ولو وصلت إلى الشاطئ نفسه ربما يظهر عليها شخص آخر ويأخذها.
خامسًا: أن الله إذا استودِع شيئًا حفظه.
قال: (اللهم إني أستودعكها) والنبي ﵊ يقول: (إن الله إذا استودِع شيئًا حفظه) قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤] والنبي ﵊ كان إذا ودع رجلًا يقول: (أستودِع اللهَ دينَك وأمانتَك وخواتيمَ عملك) لأن الله إذا استودِع شيئًا حفظه.
سادسًا: التوكل على الله، وأن من صح توكله على الله تكفَّل الله بعونه.
ودليل ذلك في الخشبة لأنها وصلت في الوقت السليم؛ ربما تضيع، أو تصل بعد شهر، لكن عناية الله جعلتها تصل في الوقت المعين، والموعد عند الرجل الذي كان ينتظر على الشاطئ.
سابعًا: أن لقطة البحر تؤخذ:- فلقطة البحر طبعًا حكمها حكم اللقطة وهذا الرجل وجد الرسالة وعرف أنه هو المقصود، وأن المال ليس لشخص آخر، وإنما المال له ولذلك أخذها.
ثامنًا: مشروعية الكفالة.
وأن النبي ﷺ تحدث بذلك وقرره.
تاسعًا: فيه التحديث عن أنباء الأمم ممن قبلنا مما كان لديهم من العجائب؛ لتتعظ هذه الأمة وتتأسى.
فنحن ننقل أخبار مَن قبلَنا لكي نتأسى بها، ونستفيد، من هذه الخبرات والتجارب.
عاشرًا: فيه أن الكاتب يبدأ بنفسه في الكتابة.
إذا شرع الإنسان بكتابة مكتوب يقول: من فلان؛ يعني: هو الكاتب الآن، من فلان إلى فلان.
والبخاري ﵀ وضع هذا الحديث في كتاب: الاستئذان في باب: بمن يُبدأ في الكتاب؟ باسم المرسِل أم باسم المرسَل إليه؟! ونحن الآن عادتنا نقول: الأخ فلان الفلاني، السلام وعليكم ورحمة الله.
والطريقة التي كان النبي ﵊ يكتب بها الرسائل، وكان العلماء يكتبون بها الرسائل: من فلان إلى فلان، فالمرسِل يكتب اسمه أولًا ولعلها قد حصلت بعض الظروف التي جعلت بعض الصحابة يكتبون المسألة بالعكس، مع أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو مستحب وليس بواجب أن يبدأ الكاتب بنفسه.
وغالب أحوال ابن عمر أنه كان يفعل ذلك، ولكن جاء بإسناد صحيح أن ابن عمر أراد أن يكتب حاجة إلى معاوية فأراد أن يبدأ بنفسه من عبد الله بن عمر إلى معاوية، فلم يزالوا به حتى كتب: [بسم الله الرحمن الرحيم، إلى معاوية].
وكتب عبد الله بن عمر إلى عبد الملك يبايعه: [بسم الله الرحمن الرحيم، لـ عبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر، سلام عليك] فالأصل والسنة في الكتابة أن يكتب اسمه أولًا.
الحادي عشر: ومن فوائد هذا الحديث: أن ما يلفظه البحر مما نشأ في البحر أو عطب وانقطع ملك صاحبه فإنه يجوز للإنسان أن يأخذه ودليل ذلك أن الرجل الذي وجد الخشبة قد أخذها حطبًا.
والبخاري ﵀ وضع هنا الحديث أيضًا في كتاب: الزكاة في باب: ما يستخرج من البحر، ما يستخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والياقوت ليس فيها زكاة عند جمهور العلماء.
الثاني عشر: كذلك من فوائد هذا الحديث: أن الإنسان المسلم يتعامل مع الناس بحسب الناس.
فإذا رأى ملامح الصلاح وتفرس في وجه مَن يطلب منه طلبًا الصدق هون معه في المعاملة ولان، وإذا رأى في ملامح وجهه أنه يتعامل معه شيء من الغدر أو اللؤم أو الخبث، فإنه يحتاط، ولذلك النبي ﷺ قال: (ثلاثة لا تستجاب دعوتهم: ... ذَكَرَ منهم: ورجل آتى سفيهًا مالًا ولم يُشهد عليه) والمقصود لا يستجاب لدعوتهم في خصومهم، فلو أنه أعطى مالًا لفاسق ولم يُشهد عليه، يستحق إذا ضاع ماله.
ولو ادعى عليه فلا يستجاب له لأنه هو المقصر، فكيف يعطيه مالًا ولا يشهد عليه؟! فإذًا إذا كان الإنسان يتعامل مع صاحب دين وأمانة فيمكن أن يخفف معه في الشروط، ويتسامح معه في الشهود والكتابة أما إذا تعامل مع واحد صاحب فسق وفجور وخيانة، أو إنسان مجهول فيحتاط، وإذا لم يأخذ الاحتياطات استحق ما يأتيه بعد ذلك، فبعض الناس يقولون: والله أنا وثقت في فلان وجاءني وأعطيته، ولا يوجد لديه كتابة ولا شهود إذًا بأي وجه تطالب الآن؟! أنت المقصر في كتابة الدين والإشهاد عليه، والشريعة جعلت لك أربعة طرق لتوثيق الدين، ولم تستخدم واحدًا منها.
إذًا: الإنسان لا بأس عليه أن يكتب، وبعض الناس يظنون ويعتبرون أن الكتابة عيب؛ وهذه من المشاكل التي تواجه بعض الناس فإذا جئت تستلف منه، ويريد أن يقول لك: اكتب، يستحي، ولو طلب تجد الآخر يقول له: عيب يا أخي، ليس بيننا كتابات، وأوراق.
فنذكرهم بقول الله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة:٢٨٢] لأنه سيشهد على نفسه، فالمستلف هو الذي يملي، قال الله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا﴾ [البقرة:٢٨٢].
وهذه الإجراءات شديدة لأجل حفظ حقوق الناس، والحيلولة في وقوع الناس في الشحناء، والبغضاء، والعداوات، والمقاطعات، والهجر.
فلذلك تُكتب الأشياء حفظًا لها من الضياع، ومنعًا للخصومات والكتابة تمنع هذه العداوات وقد يكون كلا الطرفين ثقة لكن لما يأتي يطلب منه يظن أن المبلغ شيء آخر، وكلاهما أمين وصادق، لكن يقول: يا أخي أنا الذي أذكر أنك أعطيتني ثلاثة آلاف، يقول: لا.
يا أخي، ثلاثة آلاف وخمسمائة، فالآن تظهر فائدة الضبط والكتابة وهي ليست فقط قضية أني لا أثق فيه، أو قضية أني خائف أن يخونني، أيضًا هي قضية قطع الخصومات والجدال؛ لأننا إذا كتبنا عَرَفَ كل من الطرفين ما عليه وما له، وإذا لم نكتب فإنه مع الزمن وتوالي الأيام ينسى الإنسان والذهن معرَّض للنسيان.
وما سمي الإنسان إلا لِنَسْيِهِ ولا القلب إلا أنه يتقلبُ
فما دامت المسألة معرضة للنسيان، فالعمل بالكتابة أحوط.
وكثير من الحقوق ضاعت بسبب عدم الكتابة فعندما يأتي إلى الساعة الحرجة، وليس عنده إثبات، ويقول: نحن إخوان، ولقد استحيت أن أطلب منه.
وقالوا الجماعة: عيب أن تكتب.
والله ﷾ أمر بالكتابة وهذا يقول: الكتابة عيب، يقولون: عيبٌ الكتابة، والله أمر بالكتابة: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة:٢٨٢] وبعض العلماء ذهب إلى وجوب كتابة الدَّين، وجمهور العلماء على أن الكتابة مستحبة؛ وهي غير قضية التوثيق والضبط حتى لا يختلفا في المبلغ، وكم أدت هذه إلى مشاحنات ومقاطعات بين الناس!
12 / 4