Silsilat al-qiṣaṣ
سلسلة القصص
إذا تعارض أمران بدئ بأهمهما
والحادي عشر: إذا تعارض أمران بُدِئ بأهمهما: إذا تعارض عندك أمران ولا تستطيع أن توفق بينهما، تبدأ بالأهم.
تؤخذ هذه القاعدة من قول جريج في الحديث: (أمي أو الصلاة).
قلنا: إن الإنسان إذا كان في فريضة خففها.
وإذا كان في نافلة: فإن كان تخفيفها لا يغضب أمه خففها وأتمها وأجاب.
وإن كانت تغضب أمه قطعها.
فإذا علم تأذي الوالد وجب عليه الترك وإجابة الوالد، وإلا فالأصل إتمام الصلاة، يقول الله: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٣] فالإنسان لا يقطع الصلاة لأي سبب ويمشي، وإنما إذا وُجِد سبب قوي قطع الصلاة، وإذا لم يجد سببًا أقوى من الصلاة فيستمر في الصلاة، ولا يبطل عمله؛ لأن الصلاة تلزم بالشروع، يعني: إذا كبرت تكبيرة الإحرام وجب عليك إتمامها، مثل الحج والعمرة إذا أحرم الإنسان وجب عليه الإتمام لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٦] حتى لو كان نفلًا يجب عليه أن يتمه، فالصلاة إذا دخل الإنسان فيها ولو كانت نافلة فإنه يجب إتمامها؛ لأن قطعها فيه دلالة على اللامبالاة بالدين وبأمره، ولو كانت نافلة، ما دام أحرم بها يجب عليه أن يتمها، ولذلك قال العلماء: تلزم بالشروع.
هل هذا الحكم -كما قلنا- يختص بالأم؟ ذهب إلى ذلك بعضهم، ولكن الصحيح أن الأب والأم في هذا الحكم سواء.
فإذًا: نرجع إلى القاعدة وهي: إذا تعارض عندك أمران فإنك تبدأ بالأهم.
مثال آخر: إذا شرعت في نافلة اللحظة وأقيمت صلاة الفرض: هذا تعارض ولا يمكن أن تتم الفرض وتتم النافلة وقد أقيمت الفريضة، فعند ذلك ماذا تفعل؟ تقطع النافلة بالنية، بدون تسليم، وتدخل مع الإمام في الفريضة؟ مثال آخر: حلول الدين والحج: فإذا صار الإنسان مطالبًا بالدين يقدم الدين على الحج؛ لأن الحج يجب عند الاستطاعة، وحيث أنه مطالبٌ فلا استطاعة.
وإذا تعارض الزواج والحج فأيهما يقدم؟ فيها تفصيل: إذا كان يخشى العنت، ويخشى الوقوع في الإثم، أو في الحرام، ففي هذه الحالة يقدم الزواج.
أما إذا علم من نفسه أنه يستطيع أن يصبر فيقدم الحج.
مثال آخر على التقديم إذا تعارض أمران: الجهاد وبر الوالدين: يقدم بر الوالدين، ولا يذهب للجهاد إلا بإذنهما، لكن إذا دهم العدو بَلَدَه وجب عليه الخروج للجهاد ولو ما أذن الوالدان؛ لأن هذا أهم، في الحالة الأولى كان بر الوالدين أهم، وفي الحالة الثانية أصبح الجهاد أهم.
إذًا: هناك حالات تتغير الأمور فيها، في نفس القضية الحكم يتغير بحسب الحال.
مثال آخر على تعارض أمرين، وتقديم الأوجب! لكن كيف نتصور التعارض؟ مثال: امرأة عليها من رمضان عشرة أيام، وولدت في العشرين من رمضان، وطهرت في العشرين من شوال، ولو أنها أرادت أن تقضي الصيام لا يتوفر لها ستة أيام من شوال؛ لأن القضاء سيأتي على بقية الشهر، ولو قدمت صيام ستة أيام من شوال لقدمت النفل على الفريضة.
في هذه الحالة ماذا تقدم؟ تقدم الفريضة؛ لأن الوقت لو كان مُتَّسِعًا لقلنا لها: صومي عشرة أيام قضاء أولًا، ثم صومي ستًا من شوال.
لكن الشهر لم يبق منه إلا عشرة أيام فتقدم إذًا صوم رمضان.
ثم إن الأجر في الحديث مقيد: (من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال) فلا بد أن يستوفي أول شيءٍ عدة رمضان كاملة، ثم يصوم ستًا من شوال، وليس: (مَن صام عشرين يومًا من رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال)! فيشترط استيفاء رمضان كله.
مثالٌ آخر! الصلاة ومدافعة الأخبثين، وكذلك إذا حضر العِشاء والعَشاء: إذا حضر العِشاء والعَشاء فيقدم العَشاء وليس هذا دليلًا على أن الأكل أهم من الصلاة، لا.
لكن الخشوع أولى من عدم الخشوع.
فإذًا: صلاة بخشوع مقدمة على صلاة بغير خشوع.
وكذلك يقدم قضاء الحاجة على الصلاة.
مثال آخر: رجل اكْتُتِب في غزوة وامرأته قد ذهبت للحج بغير محرم فكيف يصنع؟ عليه أن يلحق بامرأته؛ لأن هذا أهم وأوجب وأولى من ذاك، وقد يغزو غيرُه؛ ولكن زوجته هو المحرم الوحيد لها.
وكذلك لو تعارض -مثلًا- إنقاذ نفس معصومة مع الصيام: فيقدم إنقاذ النفس المعصومة، ويقضي بعد ذلك هذا اليوم.
المهم أن هناك أمثلة عديدة يتعارض فيها واجبان مع بعضهما البعض، فيقدم الإنسان الأهم، لكن هذا يعتمد على ماذا؟ على الفقه؛ كيف يعرف الأهم؟ هنا السؤال، إدراك التعارض ممكن، يعني: قد يدرك بعض الناس التعارض، لكن ما هو الأهم؟ وكيف تعينه؟ هذا يحتاج إلى علم، ويحتاج إلى فقه.
11 / 15