Silsilat al-qiṣaṣ
سلسلة القصص
أسباب فضل آية الكرسي
إن قال قائل: ما هي الميزة الموجودة في آية الكرسي حتى تمنع الشياطين من إيذائنا؟ ف
الجواب
إن هذه الآية هي أعظم آية في كتاب الله تعالى، كما أخبر النبي ﷺ ذلك الصحابي، وأن هذه الآية إذا قرأها رجل في دبر كل صلاة -أي: بعد كل صلاة- لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه النسائي ﵀ وغيره، فآية الكرسي إذًا تقرأ قبل النوم وكذلك في أدبار الصلوات، وهي أفضل آية في كتاب الله ﷿.
ومن أسباب فضلها: ١ - اشتمالها على الاسم الأعظم: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم﴾ [البقرة:٢٥٥] في البقرة، وفي آل عمران ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران:١ - ٢]، وفي طه: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه:١١١].
٢ - وكذلك فإن هذه الآية هي عشر جمل مستقلة: أ- ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ [البقرة:٢٥٥] متفرد بالألوهية.
ب- ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:٢٥٥] الحي في نفسه الذي لا يموت أبدًا، والقيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٢٥] فكل الموجودات لا قوام لها إلا بالله ﷿، ولا غنى لها عن الله ﷿ أبدًا، فكل الموجودات مفتقرة إلى الله.
جـ- ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا تعتريه ﷾ غفلة ولا ذهول، ولا نعاس، ولا نوم: أي: استغراق في النوم وغياب عن الوعي أبدًا.
د- ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥] الجميع عبيده وتحت قهره وملكه: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣].
هـ- ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] لا يتجاسر أحد أن يشفع لأحد عند الله إلا إذا أذن الله، ولذلك النبي ﵊ لكي يشفع لا بد أن يستأذن، وإذا أراد يوم القيامة أن يستأذن يأتي تحت العرش ويخر ساجدًا، فيدعه الله ما شاء أن يدعه، ويعلمه من المحامد ويفتح عليه من الثناء أشياء لم يُعلمها أحدًا فيعلمه إياها، وبعد ما يقولها ينتظر الناس النتيجة، ويسجد من تحت العرش ما شاء الله أن يسجد من الوقت، بعد ذلك يقول: (يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فهذا سيد الخلق لا يمكن أن يشفع إلا إذا أذن الله.
و﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥] إحاطته ﷾ بجميع الكائنات، وإحاطته بالحاضر والماضي والمستقبل، والجن من الغيب، والله ﷾ يحيط بهم ويعلمهم ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة:٢٥٥].
ز- ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥] فلا يطلع أحد على شيء من علم الله إلا من أطلعهم الله، ولولا أنه أطلعهم ما اطلعوا ولا عرفوا.
م- ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] الكرسي: موضع قدمي الرب ﷾، والعرش لا يقدر قدره إلا الله، الكرسي عظيم جدًا وفي غاية الاتساع ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] هذا الكرسي كيف العرش؟ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] لو أن السماوات السبع والأرضين السبع بسطت ووصل بعضها ببعض ما كانت في الكرسي إلا مثل الحلقة في صحراء من الأرض، والسماوات السبع والأرضين لو بسطت ووصل بعضها ببعض فإن مساحتها بالنسبة للكرسي مثل الحلقة التي ألقيت في صحراء من الأرض، هذا الكرسي الذي هو موضع قدمي الرب فكيف العرش العظيم؟ (ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاةٍ في الأرض).
الآن نسبة كل السماوات السبع والأرضين إلى الكرسي مثل حلقة في صحراء، والكرسي نسبته إلى العرش -أيضًا- مثل حلقة في صحراء، والله أكبر من العرش، وهذا يعطيك معنى عظيمًا عندما تقول: الله أكبر من كل شيء، السماوات والأرض تضيع في الكرسي، والكرسي يضيع في العرش، والله أكبر من الكرسي ومن العرش ومن السماوات ومن الأرض، استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته، فعندما نقول: الله ﷾ عظيم كبير، فهو شيءٌ لا يوصف أبدًا، ولا يمكن أن يتخيله المتخيلون ولا يصفه الواصفون.
نحن -الآن- في الأبعاد الفلكية هذه عقولنا تضيع ولا نستطيع جمع مسافات هذه السنوات الضوئية، وهذه كلها لا شيء بالنسبة لله ﷾، وبالنسبة للعرش والكرسي، ولذلك فإن الله ﷿ من عظمته أنه خلق هذه الأشياء العظيمة وهي لا تقارن به سبحانه.
ط- ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة:٢٥٥] لا يثقله، ولا يكرثه، ولا يعجزه، ولا يتعبه، ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض ومن فيهن، فهو سهل يسير عليه ﷾.
أنت كم تستطيع أن ترعى من ولد في نفس الوقت؟ المرأة كم تستطيع أن ترعى من الولد في البيت في نفس الوقت؟ تحافظ عليهم؟ إذا زادوا عن عدد معين هذا يسقط، وهذا يجرح، وهذا يصطدم بجدار، وهذا يضرب، وهذا وهذا، لا تستطيع السيطرة عليهم، فالله ﷾ لا يئوده حفظ كل من السماوات والأرض وما فيهما من الإنس والجن والملائكة وجميع العوالم، وهذا شيء يسير على الله ﷾.
ي- ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] آخر جملة في الآية هي قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩].
فهذه تبين لنا بجلاء عظم قدرة الله ﷿، وأنه سبحانه قائم على جميع الأشياء التي منها الجن، وأنه لا يخرج شيءٌ منها عن ملكه، فالتحصن بهذه الآية التي معناه: أنك تلتجئ إلى الله، وتعتصم به وبقدرته وبحفظه وكلاءته ورعايته فيقيك من شر الشيطان، فإنك في الحقيقة إذا قرأتها بهذه النية فأنت تلتجئ إلى من لا ينام ولا يغفو ولا يسهو، وأن له ما في السماوات وما في الأرض، وأن الجن هؤلاء والشياطين لا يخرجون عن ملكه ولا عن قدرته، وأنه يعلم حركات الجن والشياطين، ولا يئوده حفظهما وما فيهما ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] فأنت في الحقيقة تعتصم بالله بقدرته وبعظمته، فلذلك ينجيك هذا الاعتصام ويحفظك بالتأكيد إذا كنت بالله مؤمنًا وعليه متوكلًا ولا بد من هذا، والمسألة مسألة يقين وتوكل.
8 / 5