219

Silsilat al-īmān waʾl-kufr

سلسلة الإيمان والكفر

كفر الإباء والاستكبار
الثاني: كفر الإباء والاستكبار، فهو لا يكذب الرسول، بل يعتقد أنه صادق، وأن الله أوحى إليه، لكن يكفر إباءً واستكبارًا عن متابعته، فهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، كان هذا هو محل الاعتراض، فهذا هو الغالب على كفر أعداء الرسل عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ومن كفر الإباء والاستكبار: كفر إبليس، هل إبليس كان يشك في أن الله هو الذي أمره بالسجود؟! كان إبليس يعلم أن الله هو الذي أمره بالسجود لكنه: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، فهذا كفر الإباء والاستكبار.
فيمكن أن يعتقد الإنسان أن الله شرع رجم الزانية، لكنه يأبى ويستكبر أو يقدح في حكمة الله ﷿ في هذا التشريع، فهذا أيضًا يصير منضمًا إلى أخيه إبليس الذي سن له هذا النوع من الكفر.
كذلك كفر أبي طالب: استكبر عن أن يستمع الرسول ﵌، ومشهور عنه قوله وهو يمدح دين النبي ﵊: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحًا بذاك مبينا وأصر على عدم الانقياد لشريعة النبي ﵌ وهو يعتقد أنه صادق.
كذلك كفر من كانوا يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم من أهل الكتاب، وهذا حال اليهود بالذات.
وهناك حديث اليهودي الذي زنى بامرأة من اليهود، وقال يهودي من بينهم: هلموا إلى ذلك النبي -يعنون رسول الله ﷺ الذي أتى بالتخفيف، هم علموا من طبيعة هذه الشريعة أنها تخفف كما قال الله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]، اليهود أنفسهم يعلمون هذه الخاصية من خصائص الإسلام، وهو أنه دين التيسير والسماحة والحنيفية السمحة، فلذلك قالوا: لا نرجمهم، بل نذهب إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف، فإن أفتانا بشيء دون الرجم أخذنا بكلامه، وحاججنا الله ﷿ يوم القيامة، وقلنا: نحن أخذنا بشريعة نبي من أنبيائك، وأنكروا أن يكون الله قد حكم عليهم بالرجم.
فالشاهد: أن هؤلاء كانوا يعرفون أن الرسول ﵊ رسول الله حقًا وصدقًا، لكن حسدًا من عند أنفسهم حسدوا هذه الأمة أن يصطفيها الله بأن يبعث منها هذا النبي الخاتم ﵌.
وفي قصة عبد الله بن سلام، وكان من أكبر علماء اليهود في المدينة، لما أسلم وهداه الله ﷿ إلى الإسلام أمره النبي ﵊ ألا يظهر إسلامه أمام أحبار وعلماء اليهود، فخرج إليهم النبي ﷺ وقد اختبأ عبد الله بن سلام ﵁، فوقف فيهم وقال: (أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: فما تقولون إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم عبد الله بن سلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، والله إنه للنبي الذي تجدونه في التوراة، فقالوا: شرنا وابن شرنا، وأجهلنا وابن أجهلنا)! وأخذوا يسبونه ﵁.
فشأن اليهود الجحود، فهم يعرفون النبي ﵌ لكنهم حسدًا من عند أنفسهم يجحدون ولا يقرون.
وهذا فرعون كان كفره كفر استكبار وعناد وجحود، ففرعون كان يؤمن أن موسى رسول الله حقًا، والأدلة على ذلك معروفة في القرآن، مثل قول الله ﵎ حاكيًا: (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ)، يعني: يا فرعون، ونحن نصدق موسى ﵇ في خبره: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء:١٠٢]، يعني: الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء:١٠٢]، وفي سورة النمل يقول الله ﷿ عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ [النمل:١٤]، كان عندهم يقين، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل:١٤]، فهذا هو فرعون، وهو من أكفر خلق الله، ومع ذلك كان يصدق موسى ﵇، لكن لم ينقد لدينه وما جاء به من الحق.

19 / 13