255

وهذا إنما يتشوش حيث تكون الكلية مأخوذة بحسب الإلزام، لا أن تكون مأخوذة بحسب الإلزام. وأمثال هذه الكلية المأخوذة بحسب الإلزام إنما هو في القياسات التي يساق فيها الكلام إلى المحال. وأما القياسات المستقيمة فمستغنية عن ذلك. فإذا استعملت هذه القضايا حيث يخفى عليك الأمر، فاشترط في نفسك لإسقاط الشروط الناقصة كأنك تركته على واجبه. فإنك إذا استعملت: كلما كان هذا إنسانا كان حيوانا، فاستشعرت معه، ولم يكن مشترطا هناك شرط محال مناقض لحكم المقدم يمنع الحق في نفسه، فحينئذ تسلم لك الكلية. فإن كان المقدم صحيح الوجود، كانت الاعتبارات أمورا وقضايا صحيحة، وإن كان محالا، كانت الاعتبارات ما يصح مع ذلك المحال وتتبعه، وتعرض عنه لا أمورا لا تساله - ذلك المحال - بل تناقضه وترفعه، حقا كانت أو باطلة. فإذا عرف الكلي، فحقيق أن تعرف منه الجزئي. فإن الجزئي ههنا أيضا، كما قد علمت في الحمليات، يبكون على وجهين: جزئي محرف عن الكلي، وهو الجزئي الذي يصدق معه الكلي، إذا كان الحمل إذا صدق على الكل صدق على البعض. فإذا حكم في هذا الموضع بالجزئي لم يكن كاذبا، والحكم بالكلي أيضا صادق. وكذلك حال التلو في المتصل، إذا صدق على كل وضع المقدم صدق على البعض، فيكون اتباع التالي لبعض أوضاع المقدم. و في هذه المادة يصدق معه الاتباع الكلي، ويكن جزئيا محرفا، وجزئيا ليس محرفا عن الكلي، بل هو الحق نفسه دون الكلي. فمن ذلك ما حق المحمول في جملته أن يكون بالضرورة موجبا على بعض الموضوع ومسلوبا عن الآخر. لكن إذا جرنا الموضوع طبيعة في العقل، كان طبيعة المحمول ممكنا له، مثاله قولك: بعض الحيوان إنسان،فإن بعض ما يقال له حيوان يقال له بالضرورة إنسان كما علمت، والبعض الآخر بالضرورة ليس بإنسان. لكن الحيوان إذا أخذته حيوانا ولم يلتفت إلى موضوعاته، وجدت طبيعة أنه حيوان يحتمل من غير إيجاب ولا تمنع أن يكون إنسانا. ومنه ما المحمول فيه ممكن بالحقيقة للموضوع في الوجود أيضا، مثل قولك: بعض الناس كاتب. كذلك الجزئي الشرطي الذي جزئيته غير محرفة عنه، ما التلو للبعض فيه إلى سبيل الضرورة. ومنه ما ذلك على سبيل الإمكان، مثل قول القائل: قد يكون إذا كان الشيء حيوانا فهو إنسان، أي إذا كان ناطقا، وذلك بالضرورة. والآخر قد يكون إذا كان هذا إنسانا، فهو كاتب، وذلك بالإمكان. فأما المثال الأول فلا يشك من أمره أن التالي فيه لا يكون موافقا للتلو المقدم فقط؛ بل يكون مع ذلك لازما. وأما القسم التالي فربما ظن به أنه يكون موافقا فقط؛ ولا يكون لازما، لكنه قد يمكننا أن نجعله لازما. فلننظر أنا إذا جعلناه لازما، فهل يعود إلى القسم الأول أو لا يعود؟ : فأما أنا كيف نجعله لازما، فهو أنه حق أن نقول: قد يكون قد يكون إذا كان كذا إنسانا فهو كاتب لا محالة، وذلك إذا كان يدل على ما في النفس برقم يرقمه؛ وهذا يلزمه أنه كاتب أو أنه صانع. فإذن قد يكون إذا كان هذا إنسانا، فيلزمه أن يكون كاتبا. فأما أن هذا هل يعود إلى الأول، فنقول: إنه من وجه يرجع إليه، ومن وجه لا يرجع إليه. أما الوجه الذي يرجع إليه فلأن من الناس ما هو موجود برقم ذلك، ومنه ما ليس بموجود كذلك. فالذي يرقم يلزمه بالضرورة أنه كاتب والذي لا يرقم يلزمه بالضرورة أنه ليس بكاتب. وأما الوجه الذي لا شيبه فيه الأول ولا يرجع إليه أن قولنا: هذا إنسان،إذا حصل موجودا، جاز أن يلزمه وقتا أنه يكتب، ووقت أنه لا يكتب. ولا كذلك في الأول، فإنه ليس إذا كان حيوانا كان يلزمه مرة أنه إنسان ومرة أنه ليس. فهذا القسم الآخر يمكن أن يوجد على سبيل الموافقة. ويمكن أن يوجد على سبيل الضرورة، وإن هو جزئي فلا بأس أن يصدق وفيه لزوم وفيه موافقة، كما كان قد يصدق الجزئي مطلقا وضروريا جميعا، وإن كان هذا اللزوم غير الضرورة التي لجهة المتصلة كما تعلمها. إنما المشكل هنا شيء واحد، وهو أنا كيف نقول في بعض القضايا الجزئية من المتصلات: قد يكون إذا كان كل كذا كذا، فكل كذا كذا. والكل يستوعب الموضوعات كلها، فكيف يكون هذا صادقا من غير أن يصدق معه الكلي. فنقول: إن هذا يصدق إذا كان أمرا ما ممكنا للموضوعات ومن شأنه أن يعرض ويزول. وليس مستحيلا أن يجعل مداوما بالفرض. فنقول: وحينئذ قد يكون إذا كان كل ج ب، فكل ه ز؛ وذلك إذا كان كل ج د أي كل ج الأمر الذي هو ممكن أن يعرض له آ، وإذا كان كل ج د الأمر الذي يمكن أن يقارنه، مثاله: قد يجوز أن يكون إن كان كل إنسان محركا باليد فكل إنسان يكتب. وذلك إذا كان كل واحد منهم لا يحرك اليد إلا مبتدئا بالكتابة. وهذا غير مستحيل. وكذلك إذا قلنا: قد يكون إذا كان كل إنسان كاتبا، فلا واحد من الناس برام أو فكل إنسان جاهل بالرماية. وذلك إذا فرض أن كل إنسان ضعيف، ولا يتفرغ إلا لتعليم الكتابة. فيكون لرفضنا كل إنسان كاتبا في الذهن حالان: حال يفرض فيه كل إنسان قاصرا عن تعليم صناعة أخرى، وحال لا يفرض فيه. ففي إحدى الحالين يلزمه شيء؛ وفي الحال الأخرى يلزمه شيء أخر. والجزئية تدل على تخصيص الحال، وهو تخصيص الفرض. فهكذا يمكن أن تصدق هذه القضية، وكل كلية المقدم، وإلا لم يصدق. فإذا أشرنا إلى وجه حل هذهذه الشبهة، فلنتم كلامنا في إحصاء هذه القضايا.الشبهة، فلنتم كلامنا في إحصاء هذه القضايا.

الفصل الخامس (ه) فصل في معنى الكلية السالبة في الشرطيات

وأما الكلي السالب فيجب أن نقيسه على هذا، وهو أن لا يكون ولا سلب واحد يتبعه أو يلزمه التالي. وكما أن الشرطي المتصل على الإطلاق هو الذي فيه موافقة، وأما الحقيقي فالذي فيه اتباع بلزوم، كذلك السالب الشرطي منهما يسلب الموافقة كقولنا: ليس إن كان الإنسان موجودا فالخلاء موجود، ومنه ما يسلب الموافقة كقولنا: ليس إن كان هذا إنسانا، فهو كاتب. والفرق بينهما أن قائلا إن قال: ليس إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق، وأراد رفع اللزوم، صدق. وأما إذا أراد رفع الموافقة، كذب. فكذلك الكلي السالب يكون أيضا على وجهين، وإذا كان الرفع رفع اللزوم، فاللزوم المرفوع جزء من التالي من حيث هو تال. وإن كان رفع الموافقة، فالموافقة المرفوعة جزء من التالي من حيث هو تال. وإن كان رفع الموافقة، فالموافقة المرفوعة جزء من التالي من حيث هو تال. ورفع التالي في كليهما رفع للتالي مع ما هو جزء منه. ففي موضع، المرفوع هو اللزوم. وفي آخر، فالمرفوع هو الموافقة. والموافقة ليس إلا على نفس تركيب التالي على أنه حق، وهو نفس كونه قضية على أنها حق. وأما اللزوم فهو شيء زائد على نفس مكونه قضية؛ بل هو أنه مع كونه قضية فهو لازم. وأما السلب الجزئي فقياسه قياس الإيجاب الجزئي، كقولك: قد يكون إذا كان آ ب، فج د؛ أو كان كل آ ب، فكل ج د.

Page 293