230

وقيل بعد هذا في التعليم الأول ما معناه: إن المقدمات المطلقة لا يجب أن يلتفت إلى سورها البتة، حتى يكون إطلاقها أن سورها قد صدق وقتا ما . فلا يجب أن يقال في المطلقات: كل ج ب، ومعناه كل جب في هذا الزمان. وذلك لأنه لا مانع أن يصدق وقتا ما أن كل متحرك إنسان، إذا لم يكن متحرك غيره. فإذا قلنا: كل فرس يمكن أن يتحرك، صدقن. وإذا قلنا: كل متحرك يمكن أن يكون إنسانا أي وقت ما، لم يجب عنه أن كل فرس ممكن أن يكون إنسانا، بل بالضرورية لا شيء من الأفراس إنسان. فإن جعل بدل الإنسان الحيوان، كان بالضرورية كل فرس حيوان. فهذا ما قيل في التعليم الأول، فقد جعل هذا سببا لأن يكون مثل هذا الأكبر لا يتألف عنه قياس. فقد بان وصح أن استعمال المطلق والوجودي على هذه الصفة ليس بجيدن وأن التعليم الأول يخالفه. وإن كان لقائل أن يقول: إن هذا القياس غير مؤلف، فإن الكبرى إذا كانت بهذه الجهة فيجب أن يكون الأوسط مشتركا فيه، فيقال: إن كل فرس يمكن أن يكون متحركا في ذلك الوقت. وهذا كاذب؛ لأن في ذلك الوقت لا يمكن أن يكون شيء متحركا غير الإنسان، إذ كان قد وجد كل متحرك إنسانا، وحين يوجد كل متحرك إنسانا يستحيل أن يكون الفرس متحركا. لكنا نقول له: إن ذلك لا يوجب كون هذه القضية الممكنة كاذبة محالة، وأعني بالممكنة الممكنة بالإمكان الخاص. فإن ذلك القول لا يكون محالا ولا واجبا. فإنه وإن وجد أن لا متحرك هو فرس، فليس ذلك كذبا محالا، ولا صدقا حقا ضروريا، بل هو أمر بين هذين. فهو الممكن الخاص الذي يقع على المطلق. وأما الممكن الذي لا يقع على المطلق، ويعتبر فيه الزمان المستقبل، فلا يمكن أن يقال إلا ويدل عليه فيه بوجه ما على الزمان المستقبل. فإما أن لا يأتلف منه مع هذا المطلق قياس البتة، وقد ألف؛ وإما أن لا يراعى ما ذكروا. وما علينا من ذلك شيء، فإن علينا أن نحكم في كل موضع بما يجب فيه، مع اعتبار أنه إن كان المراد بالمطلق كذل كان كذا. وإن كان المراد بالمطلق شيئا آخر، كان له حكم آخر. وما علينا أن نناقش في الألفاظ، ونصر على أن قائلا عنى كذا دون كذا.

Page 262