221

فنقول: قد ظن بعض الناس أن النظر في القياسات المؤلفة من الممكنات هذر. ولو فكر لعلم أن تأليف القياسات من المقدمات الممكنة ليست هذرا. فإن المطالب الممكنة لا تثبت إلا من مقدمات ممكنة. وكما يلزم البحث عن أمور ضرورية وعن أمور وجودية؛ فكذلك قد يبحث عن أمور ممكنة. وإذا أردنا أن نبين لك شيئا من الأشياء ليس بمحال، احتجنا أن نبين ذلك في أكثر الأمر بمقدمات أولية.فالحاجة إلى القياسات المؤلفة من الممكنات ماسة. والذي يقال من أن الفيلسوف إنما يبحث عن الأمور الدائمة والأمور الأكثرية وليس يبحث عن الأمور المساوية، لم يفهمه كثير من الناس على واجبه؛ بل يجب أن يفهم أن معناه أن الفيلسوف إنما لا يبحث عما خلا الضرورة والأكثرية إذا بحث عن الأشياء من حيث وجودها. وأما من حيث كونها ممكنة فيبحث عن كل ممكن، وأما إذا راعى أمر الوجود والحصول، لا أمر الإمكان، التفت إلى الأمور الدائمة والأمور التي في الأكثر. وكذلك حال الجمهور أيضا في الأمور التي يتوقعونها من حيث وجودها إنما يتوقعون أمرا واجبا أو أكثريا، أي في أن يكون له وجود. وأما إذا تركوا أمر التوقع بحثوا عن المكن أيضا. وأما الأمور الأقلية والمتساوية فلا يتوقعونها ولا يشتغلون بها إلا على وجه آخر، وهو وجه الاحتراز والقياسات الطبية والعلاجية. والمقدمات التي في كتبهم كلها ممكنة أكثرية، وقد أخذت على أنها موجودة، كما في الكتاب المنسوب إلى بقراط المعروف بكتاب الفصول، وغير ذلك من كتبهم. والعجب من الطبيب الفاضل الذي رأى النظر في ذلك فضلا، وهو نظره من حيث هو طبيب. ونحن نستقصي القول في هذا عن قريب. وقد علمت فيما مضى لك أن الممكن يقال عند العامة على معنى، وعند الخاصة على معنى آخر، وأن الممكن عند العامة مطابق لمعنى غير المممتنع، وعند الخاصة لغير الضروري. وأن الخاصة أيضا تستعمل المكن على وجوه، فيقولون: ممكن، لما كان غير الضروري المطلق الحقيقي، وهو الأمر الذي إذا قيس بالموضوع لم يكن دائما الوجود ولا دائم العدم، سواء كان في طبيعة الموضوع ما يقاضي وجوده له أو لا وجوده وقتا ما معينا كالكسوف، أو غير معين كالتنفس، أو كان لا يقتضي ذلك، بل يعرض له اتفاقا ولأسباب خارجة مثل الحركة وغير ذلك. وجميع أصناف المطلق الخاص تدخل فيه، ويقال لما هو أخص من هذا، وهو الذي يكون غير دائم الوجود، ولا دائم العدم، ولا في طبيعة الموضوع، ما يجعله ضروريا في وقت وحال، ولا يجب بالجملة كونه أو لا كونه له إلا أن يشترط شرط غير وجود ذات الموضوع وما تقتضيه ذات. ومثال ذلك: أنا إذا نظرنا إلى الإنسان ونظرنا إلى الكتابة أو نظرنا إلى الصحة، لم يجب علينا أن نجعل أحد الأمرين للإنسان ليس بمعنى أنه لم يجب دائما فقط؛ بل لم يجب الحمل بوجه من الوجوه. فإن اشترطنا شرطا آخر فقلنا: مادام، أو في هذه الساعة، تعين أحدهما. أما " مادام كاتبا " فالطرف الذي هو الوجود؛ وأما " في هذه الساعة " فربما لم يعلم أحدهما الذي حصل وتعين بعينه. لكنا ندري مع ذلك أن أحدهما قد تعين، فالآخر إذن بالضرورة لا يوجد إذ وجد هذا. فأما في المستقبل فلا ندري أي طرف كذا قد يحصل بعينه فتعرفه بعينه، ولا يوجب مع ذلك أن أحد الطرفين متعين فيه بعينه وإن لم ندركه نحن، لا كما أوجبنا في الزمان الحاضر أن أحد الطرفين بعينه متعين فيه وإن كنا لا ندركه. والمستقبل إذا فرضناه حصل، كان حكمه هذا الحكم. لكنا إذا أخذنا هذا الوجه من حيث أنه لا ضرورة في طباع الموضوع أن يكون له المحمول لا دائما ولا وقتا، دخل فيه الموجود والمستقبل جميعا. فإن الموجود ليست له هذه الضرورة؛ بل الضرورة الواقعة إنما هي بسبب أمر غريب. فإذن كان معنى الممكن بهذا الاعتبار، وهو أن لا ضرورة فيه بحسب طباع الموضوع أو المحمول، دخل فيه ما ضرورته من خارج وما لم يتعين فيه ضرورة. فبعض أصناف المطلق دون بعض يدخل في هذا الممكن، والمعنى الثالث من معاني الممكن عند الخاص هو الذي لا ضرورة فيه بوجه من الوجوه وهو الذي لا على الإطلاق له ضرورة ولا بشرط ما. ومثال هذا الأمر الذي لا يوجبه وقت معين إيجابه في الكسوف أو لا يوجبه وقت وإن كان غير معين كالتنفس، أو الأمر الذي لا يوجبه شرط ملحق من خارج إيجابه في الكتابة بشرط كونها حاصلة. فالأولان، أعني الكسوف والتنفس، مطلقان لا يكونا ممكنين بهذا المعنى. فما وجود الكتابة فهي قد تكون ممكنة بهذا المعنى، وقد تكون مطلقة لا ممكنة بهذا المعنى. فإنها مع الشرط الذي تصير به مطلقة أو ضرورية فلا يقال عليها هذا الممكن. وإما يترك هذا الشرط فيقال عليها هذا الممكن. فهذا الضرب مما يقال عليه الممكن أخص من الوجه الثاني الذي هو أخص من الوجه الثالث، ويكون بالقياس إلى المستقبل لا غير، ويشارك المطلق في الموضوع ويباينه في الاعتبار، ويكون من حيث الحصول مطلق، ومن حيث إنه لا ضرورة في كونه ولا كونه أي وقت فرضت في المستقبل ممكنا، ويكون الاعتباران متباينين لا يدخل أحدهما في الآخر. ويباين المطلق كل المباينة، فلا يدخل في مطلق ولا يدخل فيه مطلق، أعني بحسب الحمل، لا بحسب الوضع. فهي معان ثلاثة يقال عليها الممكن باشتراك الاسم، وهي مع ذلك، فقد يقال بعضها على بعض، حتى أن الثالث منها يقال له ممكن بثلاثة معان، وهذا من جنس الاسم المشترك الذي يتناول أمرا واحدا باعتبارات شتى.

Page 252