al-manṭiq
المنطق
وقد زيف قوم هذا البيان فقالوا: لأنه تبين فيه أن السالبة الكلية منعكسة، بأن يوجد نقيض السالبة الكلية وهي الجزئية الموجبة، فتعكس جزئية موجبة، ثم تصحح الدعوى على سبيل الخلف. وفي هذا وجهان من التقصير: أدهما إنه لم يبين لنا بعد هل الموجبة الجزئية تنعكس. وبعد ذلك فإنه حين يبين لنا أن الموجبة الجزئية تنعكس، يبين لنا بأن السالبة الكلية تنعكس، وهذا بيان الدور. وقالوا: إنه أيضا ب آ، تبين بالخلف بقياس من الشكل الثالث، وذلك مما لم يبين بلنا بعد. فهؤلاء حادوا عن هذا البيان وأتوا ببيان آخر، وهو أن ج لما كن مباينا له ب، ومباين المباين مباين، ف ب أيضا مباين ل ج، فلا شيء من ب ج. أما اعتراضهم فنقضه أهل التحصيل، وبينوا أن هذا ليس على سبيل استعمال عكس الجزئية؛ بل على سبيل تعيين شيء واحد. وافتراضه يكون بعينه كلا الأمرين. وهذا أمر تعلمه من غير أن يلتفت فيه إلى حديث العكس. فذلك الواحد يتعين لك بالحس أو بالعقل أنه بعينه ج و ب فيحد موصوفا بج هو ب، وموصوفا بب هو ج، من غير استعمال قياسين في أمر هذا الواحد، ومن غير عكس. وهذا النقض نقض حسن وحق. وأما طريقتهم فقبلوها ومالوا إليها وحسبوا إنها بيان نافع. وهذا خطأ ممن أبدعه ونم القائل. وذلك لأن المباين اسم مشترك يقال على وجوه. فمن ذلك في المكان، ومن ذلك في الحد، ومن ذلك في أشياء آخرى منها المباين بمعنى أنه ليس هو ، فيكون معنى قولنا:ههنا مباين المباين، هو أنه ليس هو المباين في المكان ولا في الحد، كمباينات الأشياء التي قد يحمل بعضها على بعض في الحد، ولكن في معنى أنه ليس هو. فإذا قال القائل: إذا كان لا شيء من ج ب، فلا شيء من ب ج، ل، ج مباين ل ب، كان معناه لأن ج ليس هو ب، ومات ب ليس شيئا فليس الآخر: هو لم يخل إما أن يكون هذا بيننا، فيم ن بيننا أنه إذا كان ج ليس ب فليس ب ج؛ وإن كان ذلك غير بلين فهذا غير بين، لأن ج ليس هو عبارة عن مادة بعينها؛ بل عن كل مباين، و ب عبارة عن كل ما بوين. فلا يمكن أن يقال: إن هذا جزئي غير بين تحت كل يبين. فلو كان مسلما أن كل مباين لشيء فالشيء مباين له، أي كل ما هو ليس الشيء فليس الشيء هو، كما لا نشك في أنه لما كان ج ليس ب فب ليس ج. نعم ههنا شيء بين بنفسه، وهو أن الشيء المباين لشيء فذلك الشيء مباين له، وبإزاء ذلك مسلم أن ما ليس بشيء فذلك الشيء ليس هو؛ بل هما في هذا الموضع قولان مترادفان على معنى واحد. وليست المسألة هذه؛ بل المسألة أنه إذا مكان لا شيء من ج إلا مباينا لب، فهل يكون لا شيء من ب إلا مباينا لج. وهو بعينه طلبنا، هل إذا لم يكن شيء من ج ب، فهل ليس بشيء من ب ج. وليس معنى المباينة إلا هذا. فإن كان أحدهما بينا بنفسه فالآخر كذلك. لكن الشخصي إما بين بنفسه في كليهما أو قريب من البين، فإذا حصر حصرا كليا تغيرت المسألة، وزال البيان بنفسه. تأمل الحال في المهملة، فإن هذه الكلية فيها كاذبة، مثل قولك: ج مباين لب، فليس يلزم أن يكون ب مباينا لج؛ فإن الحيوان مباين للإنسان بهذا المعنى، والإنسان لا يباينه. وكذلك المسور بسور جزئي، فإنه إذا كان بعض ج مباينا لب، لم يلزم أن يكون بعض ب مباينا لج، فلم يكن كون المباين مباينا لمباينه نافعا ههنا. وذلك لأن ج قد يكون مباينا لبعض ب، ومواصلا للبعض الآخر، فيكون ذلك البعض الأول مباينا له، ولا يوجب أن تكون مباينة كلية. فكذلك إذا قلنا: لا شيء من ج ب، أوجبنا المباينة من جانب ج، ولا ندري هل الجانب الآخر مباين بكليته أو ببعضيته فيحتاج أن يبين ببيان؛ بل ليسلم إنه إذا كان كل ج مباينا لب، أي ليس شيء من ج ب، فب مباين لكل ج، وليسلم أن هذا بين بنفسه. فهل إذا نقل كل من ج إلى ب، يكون حقا أن كل ب مباين لج، أو يكون ليس كذلك؛ بل حكمه حكم البعض إذا نقل عن ج إلى ب في قولهم: بعض مباين لب، فصار بعض ب مباينا لج كان كاذبا، على أنه حيث يصدق والمباين مباين للمباين، إنما يصدق إذا كان المتباينان موجودين معا حال المبانة. وأما إذا كانت المباينة هو أن لا يكون أحدهما موجودا، مثل مباينة الكاتب للإنسان حين لا يكون إنسان ما كاتبا، فلا يقال: إن الآخر المعدوم مباين أيضا. فهذا البيان ليس بشيء، ولا ينبغي أن يلفتف إليه؛ بل إلى بيان التعليم الأول. وأما طعنهم من جهة استعماله قياس الخلف، فالجواب عنه أن قياس الخلف معقول بذاته مستتام إليه في نفسه، وليس يحتاج إلى أن يعلمنا حاله، في لزوم ما يلزم عنه إذا كان كاملا، معلم. والمعلم الأول، فإنه ليس يعلمنا حال قياس الخلف الإ على سبيل التذكير والتجريد من المادة. واستعماله وقبوله طبيعي وعلى ما تعلم. ثم إن الفاضل من المتأخرين قد بين هذا بوجه حسن، فقال: وإلا فليكن بعض ب ج. وقلنا: لا شيء من ج ب. وهذا قياس كامل معلوم الإنتاج بنفسه، إنما يعلم بعد على سبيل التذكير، لا على سبيل إفادة علم مجهول. فيلزم من ذلك أن بعض ب ليس ب وهذا خلف. فهذا، أما إذا كانت الكلية السالبة على ما يجب في نفس الأمر فليس يجب لها عكس. وهي التي رأينا أن نجعل العبارة منها بقولنا: كل ج، فليس يوجد ب. أو أن نقول: ليس ولا واحد من ج إلا وليس ب فيفهم عنه أن كل واحد مما يوصف بأنه ج بالفعل كيف كان دائما أو غير دائم فإنه يسلب عنه ب، لا ندري متى. أفي جميع زمان ما يوصف بأنه ج، أو في جميع زمان وجوده وصف بج أو لم يوصف، أو في بعض زمان كونه ج، أو زمان غير زمان كونه ج. فإن ما يوصف بإنه ج. إذا سلب عنه ب في زمان كونه ج كله، فقد سلب عنه ب، وإن كان في بعض ذلك الزمان فقد سلب عنه ب، وإن كان في زمان قبل أو بعد ذلك فقد سلب عنه ب، وإن كان في كل زمان وجوده فقد سلب عنه ب. فإنا وإن قلنا مسلوب أو سلب أو يسلب، فأوهمنا زمانا، فذلك لضرورة اللفظ؛ بل مرادنا أن كل شيء يوصف بأنه ج، فذلك الشيء حق عليه سلب ب لا ندري متى. فإذا كانت السالبة الكلية المطلقة هل العامة كما عند قوم، أو ماهو خارج عن الضرورة، وهو الذي ليس السلب عنه دائما مادام ذاته موجودا، بل في وقت ما من أوقات وجوده، وهي التي تخص بالوجودية، لم يلزم لها عكس. فإن سلب الضحك بالفعل عن كل إنسان، صحيح بهذا الوجه، فإن كل إنسان يسلب عنه الضحك بالفعل وقتا ما، وإذا سلب وقتا ما فقد سلب مطلقا. وكل إنسان يسلب عنه الضحك مطلقا، وخصوصا على رأي من يخرج الضرورة عن الإطلاق. وإذا كان هذا السلب الكلي مطلقا لا ينعكس، إذ ليس يمكن أن يسلب الإنسان عن الذي يضحك بالفعل بوجه من الوجوه، وكذلك في مواد كثيرة، فقد وجد للسلب الكلي لمطلق مادة لا ينعكس فيها. وهذا معنى وقلنا: إن كذا لا ينعكس، أي ليس يلزم عكسه، لا أنه لا ينعكس في مادة من المواد . فبين من هذا أن السالب الكلي المطلق الحقيقي لا ينعكس. لكن هذا السالب لا يعبر عنه باللفظ الموضوع لهذا الشأن؛ فلذلك لا يقال: ولا واحد من الناس ضاحك. فلينظر الآن في وجوه آخرى تعتبر لهذا؛ فنقول: إن قوما يقولون: إن المطلقة هي التي الحكم فيها ما حصل من الموضوعات موجودا، حتى يكو إذا قال قائل: كل ج ب، كان معناه أن كل واحد من الموصوفين بأنه ج في الماضي والحال مما قد وجد هو موصوف بأنه ب. فيكون قولهم: لا شيء من ج ب، معناه أنه لا شيء من وجد وحصل جيما بالفعل إلا مسلوبا عنه كونه ب، وإن كان قد يمكن أن يوجد له ب. أو يكون بعض ج إذا وجد كان ب بالضرورة، لكنه الآن ليس موجودا، والموجود منه هو البعض الذي لا شيء منه ب. مثال الأول عندهم إذا اتفق في وقت إن لك إنسان متحركا بالفعل. ومثال الثاني أن يكون وقتا لا لون موجود فيه إلا البياض، فيكون حينئذ كل لون بياضا، فيكون هذا الوجودي ينعكس أيضا. فلينظر هل يلزم من هذا أن لا شيء مما هو ب فهو ج أيضا. أما إذا عني في العكس ما عني في الأصل، فليس يجب أن يكون ها العكس، لأنه يجوز أن يكون ب مسلوبا عن ج الموجود، ولم يوجد في غريه. فإنه ليس يلزم إذا سلبت الكتابة عن إنسان موجود، أن تكون الكتابة موجودة في آخرين، أو أشياء أخرى غير الكتابة حكمها هذا الحكم. فليبس يلزم من ذلك أن يكون سلب ج عن كل واحد من الذين حصل لهم وجود ب، حقل على سبيل الإطلاق. فإنهم ربما لم يحصلوا ب، حتى يصيروا بحيث إذا وضعوا كان السلب عنهم على الحكم المذكور. وأما على غير هذا الشرط وعلى أن يكون ج مسلوبا عن ب، سواء لم يوجد ب أو وجد شيء آخر غير ج، فهذا صحيح خارج من طريق العكس على هذا القانون.
لكن ينبغي أن ينظر أن هذه القضية حينئذ، أي القضايا تكون. فإنه لا يلزم أن تكون ضرورية. فإنه إذا سلب ج سلبا بالفعل عن ب، وكان ب شيئا لا يجب أن يسلب عنه ج في كل زمان، مثل: أن يكون اتفق أن كان كل موجود أبيض في وقت ما، مسلوبا عنه أنه مالك ألفي وقر ذهب، وكان حينئذ لا وجود لمالك ألفي وقر ذهب في الموجودين في ذلك الوقت هو أبيض؛ وانعكس أنه لا شيء مما هو مالك ألفي وقر ذهب بأبيض، كان هذا مما لا يصدق بشرط الضرورة، ولم يكن ممكنا حقيقيا، إذا قد سلب عنه بالفعل. وقد اتفقوا على أن كل قضية إمات أن يكون فيها حكم بالفعل ضروري، أو حكم بالفعل غير ضروري، أو حكم ممكن ليس فيه شرط أنه بالفعل؛ وإذ ليست هذه القضية ممكنة ولا ضرورية فستكون مطلقة. فيكون ما ظنوه من أن المطلق هو الذي يجب أن يكون فيه الحكم فيه على الموجودين في زمان، قد حصل باطلا. واعلم أن قولنا: كل كذا كذا، ليس يعنى به كل موجودين كذا في زمان ما، فإن الموجودين من الناس في زمان ما بعض الناس لا كل الناس. ومع ذلك فإن هذا إن اعتبر، حصلت أقسام لال يمكن إلحاقها بالضروري ولا الممكن، فيجب إذا أن لا يلتفت إلى هذا المذهب، وسيحوجنا إمعاننا فيما يستأنف إلى أن نزيد هذا الغرض شرحا. فإن لم يعتبر وجود هذا الموضوع، بل اعتبر صدق القضية، كان الموضوع موجودا أو غير موجود، حتى تكون المطلقة هي التي الحكم فيها بسوره صادق زمانا ما، سواء كان الموضوع موجودا أو غير موجود. فإن غير الموجود يصدق غليه السلب عاما، كان العكس مثل الأصل بعينه متعلقا بذلك الزمان، وكان مطلقا؛ إلا أن هذا الاعتبار مزيف، لما دريت ولما يستقبلك.
Page 230