al-manṭiq
المنطق
وأما الشك الثالث فينحل بأن يعرف قوله: " لزم عنها غيرها " معناه غير المسلمات. والمسلمات هي التي يكون فيها صدق أو كب. ولم يكن قولنا: " فالنهار موجود " مسلما في نفسه، أو متعرضا لأن يكون في نفسه حقا أو باطلا؛ بل كان المسلم شيئا هو جزء منه. فإن قولنا: إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، هو بجملته مسلم واحد، ولا تسليم فيه لأحد جزئين الآن، فربما كان كل واحد منهما غير مسلم لو انفرد. حتى إذا قلت : إن كان الإنسان حجرا فهو جماد، ولا واحد من هذين بمسلم، والمقدمة مسلمة، لأن التسليم ههنا يتناول حال النسبة بين القولين، كما أن الصدق يتناوله؛ فإن لفظ الشرط والجزاء قد حرف القضيتين عن أن يكونا قضيتين، ويكون فيهما صدق أو كذب، ووضع أو تسليم. ولذلك إذا قلت: إن كانت الشمس طالعة، لم يكن لا صدق ولا كذب. وكذلك إذا قلت: فيكون النهار موجودا، مع الفاء وحرف الجزاء، لم يزكن صدقا ولا كذبا، فلم يكن شيء منهما مسلما أو غير مسلم. وإن كان إذا أفردت كل واحد منهما كان صدقا أو كذبا، وأعرض لتسليم أو غير تسليم. وكذلك إذا قلت: هذا إما كذا وإما كذا، صار الصدق المسلم هو جملة غير الأجزاء. فإذن النتيجة غير الأمور المسلمة. وأما الشك الآخر، وهو أن نقول: إن كانت الحركة موجودة، فالحركة موجودة، لكن الحركة موجودة، فالحركة موجودة،؛ فإن هذا الشك ينحل من وجوه: أحدها: أن هذا القول ليس بقياس البتة، فإن القياس هو ما يفيد زيادة تسليم، وهذا ليس يفيد شيئا. وليس كل ما يلزم عنه شيء هو قياس كيف كان؛ بل ما يلزم عنه شيء مستفاد تسليمه، ولم يكن مسلما من جملة ما يسلم موضوعا في جملة ما وضع. فإذا لم يكن هذا قياسا، لم يجب أن نقول: إن شيئا هو قياس، وقد لزم منه لازم ليس غير الموضوع. والثاني: أن المسلم أيضا ليس هو النتيجة، فإن المسلم هو: " لكن الحركة موجودة " مقرونا بلفظة لكن. وكذلك قولك: " فالحركة موجودة " مقرونة بالفاء الواصلة، وفيما وضع نتيجة وهي: أن الحركة موجودة. وهذا جزء من المسلم لا المسلم. والدليل على ذلك إن قائلا إن قال: إن الحركة موجودة، ولم يكن على سبيل العطف الذي يدل على الاستثناء، حتى يكون كأنه قال: وصادق مع ذلك إن الحركة موجودة حتى تكون الحركة موجودة كموضوع، وقد حمل عليه، وصداق مع ذلك لم يلزم عن القولين شيء. فإن لزم، فمع الستشعار بأن هذا مستثنى، فبكون أن الحركة موجودة، يجعل في الذهن جزءا من قضية محمولها الاستثناء، فحينئذ يلزم ما يلزم. وهكذا الحال في المثال الذي أورد للمنفصل، وقد تكلف له أنواع من الجواب.
لكن الحق أن هذا ليس بقياس. لست أقول: إن المقدمة المنفصلة إلى إيجاب وسلب لا تكون قياسية، فإنها تدخل في القياسات. لكني أقول: إن استعمالها على أن يقرن بها استثناء النقيض، وعلى ما قيل في الشك، ليس يؤدي إلى قياس. فإنه لما قال: إما أن تكون الحركة موجودة، أو لا تكون فقد ساق هذا الكلام إلى أن يبين به أمرا مجهولا، أو يلزم أمرا منكرا لا يقتربه. فلما قال: لكن الحركة موجودة، وجعل هذا جزءا من القياس ليبين به أن الحركة موجودة، لم يكن هذا قياسا، لأنه كان المطلوب فيه قد با وسلم، قبل عقد القياس عليه. فإن كان القياس إنما هو لأستبانة شيء، فقد كان مستغنى عنه؛ وإن كان لإلزام شيء منكر، فالمخاطب لا يسلم أن الحركة موجودة ليستثني بها، فإذا لم يسلم ذلك لم ينعقد عليه من هذا قياس. ومع ذلك فإنه إذا لم ينح نحو سلب صريح، بل إلى جهة من جهات العدول، كانت حينئذ النتيجة غبر التي ذكر، بل إن الحركة ليست غير موجودة. وهذه ليست هي أن الحركة موجودة، ولو كان يلزمها، فإن اللوازم كلها أغيار في المعنى، كما قد علمت مرارا.
وأما الأمثلة الأخرى فإنما تتم بمقدمات محذوفة لفظا معقولة الثبوت عقلا، قد حذف في واحد منها " أن كل متحرك حي " ، وفي الآخر " وكل ما كان السراج موجودا فالضوء موجود " وهي الشرطية، وفي الثالث " كل كاتب يحرك يده " . فقد وقفت على جحد القياس، فاعلم الآن أن من القياسات ما هي كاملة وهي التي تظهر لصورتها لزوم تسليم النتيجة عنها، ومنها ما هي غير كاملة وهي التي لا يكون لزوم عنها بيننا، وإنما يلزم بتغيير يلحقها ترجع به إلى الكاملة، يكون لذلك التغيير لها في نفسها وحدودها، لا في شيء آخر يدخل عليها. ويكون ذلك التغيير لها ما يلزم صدقه مع صدق ما يسلم فيها.
المقالة الثانية من الفن الرابع من الجملة الأولى في المنطق
الفصل الأول (ا) فصل في عكس المقدمات على الإطلاق
Page 226