Al-ilāhiyyāt min kitāb al-Shifāʾ
الالاهيات من كتاب الشفاء
فأن وجود الشر في الأشياء ضرورة تابعة للحاجة إلى الخير، فإن هذه العناصر لو لم تكن بحيث تتضاد وتنفعل عن الغالب، ولم يمكن أن تكون عنها هذه الأنواع الشريفة، ولو لم تكن النار منها بحيث إذا تأدت بها المصادمات الواقعة في مجرى الكل على الضرورة إلى ملاقاة رداء رجل شريف، وجب احتراقه، لم تكن النار منتفعا بها النفع العام، فوجب ضرورة أن يكون الخير الممكن في هذه الأشياء إنما يكون خيرا" بعد أن يمكن وقوع مثل هذا الشر عنه ومعه، فإفاضة الخير لا توجب أن يترك الخير الغالب لشر يندر، فيكون تركه شرا من ذلك الشر، لأن عدم ما يمكن في طباع المادة وجوده إذا كان عدمان شرا من عدم واحد، ولهذا ما يؤثر العاقل الاحتراق بالنار بشرط أن يسلم منها حيا على الموت بلا ألم. فلو ترك هذا القبيل من الخير لكان يكون ذلك شرا فوق هذا الشر الكائن بأيجاده، وكان في مقتضى العقل المحيط بكيفية وجوب الترتيب في نظام الخير أن يعقل استحقاق مثل هذا النمط من الأشياء وجودا محجوزا ما يقع معه من الشر ضرورة، فوجب أن يفيض وجوده، فإن قال قائل: فقد كان جائزا" أن يوجد المدبر الأول خيرا محضا مبرأ عن الشر، فنقول: هذا لم يكن جائزا" في مثل هذا النمط من الوجود، وإن كان جائزا في الوجود المطلق على أنه ضرب من الوجود المطلق مبرأ، ليس هذا الضرب، وذلك مما قد فاض عن المدبر الأول، ووجد في الأمور العقلية والنفسية والسماوية، وبقى هذا النمط في الإمكان ولم يكن ترك إيجاده لأجل ما قد يخالطه من الشر الذي إذا لم يكن مبدؤه موجودا" أصلا، وترك لئلا يكون هذا الشر كان ذلك شرا من أن يكون هو فكونه خير الشرين، ولكان أيضا" يجب أن لا توجد الأسباب الخيرية التي هي قبل هذه الأسباب التي تؤدي إلى الشر بالعرض، فإن وجود تلك مستتبع لوجود هذه، فكان فيه أعظم خلل في نظام الخير الكلي، بل وإن لم نلتفت إلى ذلك، وقصرنا إلتفاتنا إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود من أصناف الموجودات المختلفة في أحوالها، فكان الوجود المبرأ من الشر قد حصل، وبقى نمط من الوجود إنما يكون على هذه السبيل، ولا كونه أعظم شرا من كونه، فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض عنه الوجود الذي هو أصوب، وعلى النمط الذي قيل؛ بل نقول من رأس: إن الشر يقال على وجوه، فيقال شر للأفعال المذمومة، ويقال شر لمبادئها من الأخلاق، ويقال شر للآلام والغموم وما يشبهها، ويقال شر النقصان كل شيء عن كماله وفقدانه ما من شأنه أن يكون له. فكأن الآلام والغموم، وإن كانت معانيها وجودية ليست أعداما"، فانها تتبع الإعدام والنقصان، والشر الذي هو في الأفعال هو أيضا إنما هو بالقياس إلى من يفقد كماله بوصول ذلك إليه، مثل الظلم أو بالقياس إلى ما يفقد من كمال يجب في السياسة الدينية كالزنا، وكذلك الأخلاق إنما هي
Page 224