309

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

تفسير قوله تعالى: (إذا زلزلت الأرض زلزالها)
بدأ ربنا ﷻ هذه السورة بالحديث عن واحد من أهوال يوم القيامة، يقول الله ﷿: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١].
هذه الجملة شرطية، أداة الشرط (إذا)، وفعل الشرط (زلزلت)، وجواب الشرط في قول الله تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:٤] يعني: فصل ربنا بين فعل الشرط وجوابه بفاصل طويل، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٤].
يقول العلامة ابن عاشور ﵀: والفصل بين فعل الشرط وجوابه بهذا الطول؛ من أجل التشويق لمعرفة جواب الشرط.
قال الله ﷿: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:١] الزلزلة: على وزن فعللة، هذا البناء في كلام العرب يدل على حركة واضطراب، ومنه قولهم: قلقلة، وقولهم: رجرجة، وقولهم: بلبلة، ونحو ذلك.
قوله: «إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ» أي: حركت حركة عنيفة، وماجت واضطربت، وتمور الأرض مورًا، هذا الهول كرره ربنا في بعض آياته، كقوله في صدر سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١]، وقوله سبحانه في صدر سورة الواقعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة:١ - ٥] أي: صارت الجبال كأنها بسيسة وهو الدقيق الذي يصنع بالسمن، فيتفتت بعدما ينضج بالنار، هكذا تكون الجبال، وهذا سيأتي معناه في قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ﴾ [القارعة:٥].
وقال ربنا سبحانه في سورة الحاقة: ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٤ - ١٦].

21 / 23