300

Durūs al-Shaykh ʿAbd al-Ḥayy Yūsuf

دروس الشيخ عبد الحي يوسف

سبب نزول سورة البينة
روى الإمام أحمد والشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي حبة البدري الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ قال لـ أبي بن كعب: يا أبي! إن الله تعالى أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة، فقال أبي ﵁: وقد سماني لك يا رسول الله؟! قال: نعم، فبكى أبي ﵁، قال له بعض الصحابة: أفرحت يا أبا المنذر! قال: ومالي لا أفرح والله ﷿ قد قال: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]).
قال الإمام القرطبي ﵀: وإنما قرأ النبي ﷺ على أبي؛ ليعلم الناس التواضع، ولئلا يأنف العالم عن القراءة على من هو دونه، أو أقل منه.
قال ابن كثير ﵀: والسبب -والله أعلم- هو ما رواه النسائي وغيره عن أبي بن كعب ﵁: (أنه سمع عبد الله بن مسعود يقرأ قراءة أنكرها غير التي أقرأه إياها رسول الله ﷺ ونحن نعرف اختلاف القراءات كقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٣] أو: (نزّل به الروح الأمين) أو بعض الناس يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، وبعض القراء يقرأ: (ملك يوم الدين) وبعضهم يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ) [الفاتحة:٦] بالصاد، وبعضهم يقرأ (اهدنا السراط)، وبعضهم يقرأ بالإشمام بين الصاد والسين، وكلها قراءات متواترة ثابتة عن رسول الله ﷺ.
(فـ أبي ﵁ سمع من ابن مسعود قراءة أنكرها، فقال له: ما هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ! فقال له ابن مسعود: ولكن أقرأنيها هكذا، فذهب أبي مع ابن مسعود يتحاكمان إلى الرسول ﵊، فقال النبي ﷺ: اقرأ يا أبي! فقرأ وقال: اقرأ يا ابن مسعود! فقرأ، فقال: كلاكما أصاب يقول أبي ﵁: فدخلني من الشك ولا إذ كنت في الجاهلية، قال: فضرب رسول الله ﷺ على صدري ففضت عرقًا كأني أنظر إلى الله فرقًا، وأخبره رسول الله ﷺ أن جبريل أتاه فقال: يا محمد! إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، فقلت: أسأل الله معافاته ومغفرته، فقال: على حرفين، فلم يزل حتى قال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك على سبعة أحرف) والسبعة أحرف هذه كلها داخلة في لغة قريش، وكلها داخلة في القراءات المتواترة العشر التي يقرأ بها جماهير المسلمين في المشارق والمغارب.
يقول ابن كثير ﵀: قراءة النبي ﷺ على أبي كانت قراءة إبلاغ وتثبيت وإنذار لا قراءة تعلم واستذكار.
فالله ﷿ يتولى الصالحين، ولما كان أبي رجلًا صالحًا عبدًا لله قانتًا حنيفًا؛ فالله ﷿ لم يتركه للشكوك والأوهام والشبهات، بل قيض له من ضربة رسوله ﷺ ومن قراءته ﵊ ما زاده إيمانًا ويقينًا.

21 / 14