Sharḥ uṣūl iʿtiqād ahl al-Sunna liʾl-Lālakāʾī – Muḥammad Ḥasan ʿAbd al-Ghaffār
شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي - محمد حسن عبد الغفار
الكمال والجلال المطلقان لله تعالى في تقدير الابتلاء
إن الله جل وعلا له الكمال والجلال المطلق، لم يخلق شرًا محضًا، ولكنه شر نسبي إضافي، وما خلق الله جل وعلا شيئًا إلا وله حكمة، كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠]، فالله جل وعلا لما فعل ما فعل كان ذلك الفعل نابعًا عن علم وعن حكمة بالغة كما سنبين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا﴾ [الذاريات:٥٦] لعلة بليغة وهي: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦].
فالشرور التي خلقها الله جل وعلا إذا نسبناها لله تعالى فهل ننسبها له إطلاقًا أم نقيدها؟
و
الجواب
أن الشر إما أن يكون شرًا محضًا أو شرًا نسبيًا إضافيًا، فينظر في ذلك.
ومن الأمثلة على ذلك: فلسطين وما يحدث فيها من قتل وتشريد وهجوم ضار من هؤلاء الخنازير الذين يقتلون الطفل والشيخ والمرأة، ويهدمون كل شيء أمامهم، فإن الله هو الذي خلقهم وخلق فعلهم، وهو الذي قضى كونًا أن يحدث هذا لأهل فلسطين، فهل هذا شر محض أو شر إضافي؟ تفصيل
الجواب
أن يقال: إن قلنا بأنه شر محض، فقد نسبنا النقص لله جل وعلا، ونحن قد اعتقدنا في قلوبنا أن الله له الكمال المطلق، إذًا: فالشر الذي يقع على هؤلاء الفلسطينيين شر نسبي وفيه وجوه من الخير، وإذا دققنا النظر واعتقدنا اعتقادًا كاملًا أن الله له الكمال المطلق، فيجب أن نعلم أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها من شر؛ وذلك لتحقيق خير عظيم بعد هذا الشر، أو لخير تابع لهذا الشر، ونحن نذكر هنا الحكم التي ظهرت لنا فقط، وهناك حكم أبلغ من هذه قد أخفاها الله جل وعلا عنا، فمن هذه الحكم: أن الله تعالى يتخذ من هؤلاء من يرفعهم عنده شهداء، قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فالله جل وعلا ابتلى هؤلاء بالقتل، ليتخذ منهم شهداء، وليصطفي منهم من يكون وليًا عنده جل وعلا.
ومنها: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بما يحدث فيها؛ ليميز الخبيث من الطيب، وليفصل بين الصفين، فإن الله حكم عدل يفرق بين المفترقين، ويساوي بين المتماثلين، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧]، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٣ - ١٥٤].
فهو بهذا يظهر المنافق الذي باع نفسه وقومه وشعبه؛ ليرضي أهل الكفر دون أهل الإسلام، ويظهر الله المؤمن الصادق الذي باع نفسه بدنه ومهجته لله جل وعلا، وكل ذلك منه حكمة عظيمة باهرة.
فكثيرًا من العملاء ظهروا في هذه البلية، وظهر أنهم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، وباعوا أنفسهم ودينهم بثمن بخس دراهم معدودة، وباعوا أنفسهم لا لله جل وعلا بل لأهل الكفر، وقد فضحهم الله بهذا البلايا.
ومن الحكم العظيمة مما يحدث في فلسطين: أن الله جل وعلا ابتلى هذه الأمة بهؤلاء الأنجاس؛ ليتحد الصف الإسلامي، فإن وحدة الصف لا تأتي إلا بعد التفرق، وبعد أن يأتي الهجوم الضاري من الأعداء.
وانظروا إلى الشعوب الإسلامية وإن اختلفت أجناسهم وألسنتهم، فقلوبهم كلها قد توحدت على شيء واحد، وهو بغض بني إسرائيل، ونصرة هؤلاء المستضعفين من المسلمين، فإن الله جل وعلا هو الذي يؤلف بين القلوب، وله ما يشاء فيما يفعل.
وأيضًا من الحكم البليغة في هذا البلاء، أن الله جل وعلا يبتلي الأمم التي عصت، وظهرت رعونتها وخرجت عن إطار شريعة الله جل وعلا، فيبتليها لترجع ولتتذلل ولتستغفر ولتتوب إلى الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف:٩٤] والله جل وعلا لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفعه إلا بتوبة.
وأيضًا لقد ابتلى الله بهذه الأمة؛ ليبين لهم أن هؤلاء الأعداء لا عهد لهم ولا ميثاق فإنهم قد عاهدوا الله وخانوا عهده جل وعلا، وعاهدوا الرسل وخانوه، فالذين يتمسكون بهم تمسك الحية بفريستها ويقولون: لابد من سلام شامل عادل، أو نحن دعاة سلام، فإن الله جل وعلا يظهر لهم خطأ فهمهم، وخطأ منهجهم، ويبين أن هؤلاء لا يريدون سلامًا ولا أمانًا، بل كلما تهيأت لهم الظروف انقضوا على فريستهم، كما نراهم اليوم مع الفلسطينيين، فيبين الله جل وعلا أن هؤلاء الأنجاس مغضوب عليهم، وأنهم ينقضون العهود، ولا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة؛ ليضع الأمر عيانًا أمام الناس جميعًا حتى لا يلبس أحد على أحد، وهاهم اليوم يقولون: نحن نريد سلام ولا نريد خرابًا، ولا إزهاقًا للأرواح، فبين الله أن الذين يمدون أيديهم إليهم من أجل السلام، أنهم يرفضونها، بل يبترونها ويقطعونها، فهذه من الحكم البليغة من هذا الابتلاء.
إذًا: فالله جل وعلا لم يخلق شرًا محضًا، بل خلق شرًا نسبيًا إضافيًا.
35 / 5