363

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

فالأمر بالزكاة وأمثالها دال على حسنها لمعنى في نفسها على ما يأتي في هذا الفصل أن الأمر المطلق يتناول الضرب الأول من القسم الأول فيكون حسنا لمعنى في نفسها لكنا لا نعلم ذلك المعنى، والثاني أن الإتيان بالمأمور به من حيث إنه إتيان بالمأمور به حسن لمعنى في نفسه؛ لأن طاعة الله تعالى وترك مخالفته مما يحكم العقل بحسنه خلافا للأشعري، فإن شكر المنعم عنده ليس بحسن عقلا، فأداء الزكاة يكون حسنا لمعنى في نفسه؛ لأنه إتيان بالمأمور به، والإتيان بالمأمور به حسن لمعنى في نفسه، وعند الأشعري إنما يحسن أداء الزكاة؛ لأنه مأمور به فيصدق عليه تفسير الحسن، وهو ما أمر به من غير ملاحظة أنه طاعة الله تعالى فهذا بناء على أن الحسن لمعنى في نفسه نوعان: أحدهما أن يكون حسنا إما لعينه، وإما لجزئه، والثاني أن يكون حسنا لكونه إتيانا بالمأمور به، وقد يجتمع المعنيان كالإيمان بالله تعالى، فإنه حسن لعينه وإتيان بالمأمور به، وقد يوجد الأول بدون الثاني، وإذا أتى به لكونه حسنا لعينه أو لجزئه لكن لم يؤمر به، وأيضا على العكس في الحسن لا لجزئه، ولا لعينه لكن يكون مأمورا به، وقد أتى به لكونه مأمورا به كالوضوء فعلم فساد ما قال أن كل المأمورات حسنة لمعنى في نفسها بهذا المعنى؛ لأنه إنما يكون كذلك إذا أتى به لكونه مأمورا به، فالوضوء الغير المنوي حسن لغيره عندنا لأجل الصلاة، والمنوي بنية امتثال أمر

...................................................................... ..........................

ثم النوعان وإن تباينا بحسب المفهوم والاعتبار فلا تباين بينهما في الحصول لأمر واحد كالإيمان يحسن لذاته ولكونه إتيانا بالمأمور به، والأول يثبت قبل الشرع دون الثاني، وعلى هذا لا يمتنع اجتماع الحسن لذاته ولغيره في شيء واحد كالوضوء المنوي حسن لذاته باعتبار كونه إتيانا بالمأمور به ولغيره باعتبار كونه شرطا للصلاة، فإن قيل المأمور به في الصلاة والزكاة ونحوهما هو الإتيان بهذه الأشياء إذ العبد إنما هو مأمور بإيقاع الفعل وإحداثه فما معنى الإتيان بالمأمور به والإتيان هو نفس المأمور به.؟ قلنا قد سبق أن هاهنا معنى مصدريا ومعنى حاصلا بالمصدر، والأول هو الإيقاع، والثاني هو الهيئة الموقعة، فأرادوا بالمأمور به الحاصل بالمصدر كالحركة بمعنى الحالة المخصوصة وبالإتيان به إيقاعه وإحداثه، فإن قيل فحينئذ لا يكون الحسن هو المأمور به مع أن الكلام فيه قلنا المأمور به في التحقيق هو الإيقاع والإحداث فحسنه حسن المأمور به، فإن قيل: كل من الزكاة والصوم والحج عبادة مخصوصة، والعبادة حسنة لعينها فيكون كل منها حسنا لجزئه فيكون حسنا لمعنى في نفسه، ولا حاجة إلى ما ذكر من التكلفات قلنا كونه عبادة مخصوصة لا يقتضي كون العبادة جزءا منه لجواز أن يكون خارجا عنه صادقا عليه، والأمر كذلك إذ ليست جزءا من مفهوم شيء منها بخلاف الصلاة.

قوله: "يقتضي كونه عدلا وإحسانا" لا نزاع للأشعري في كون العدل عدلا والإحسان إحسانا قبل الشرع، وإنما النزاع في كونه مناطا للمدح عاجلا والثواب آجلا.

قوله: "فالأمر بالزكاة وأمثالها دال على حسنها لمعنى في نفسها" لقائل أن يقول لا نسلم أنه أمر مطلق بل العقل قرينة على أنه إنما أمر بها لدفع حاجة الفقير ونحوه.

Page 363