Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
أن يكون شبيها للحسن لمعنى في غيره كالزكاة والصوم والحج يشبه أن يكون حسنها بالغير، وهو دفع حاجة الفقير وقهر النفس وزيارة البيت، لكن الفقير والبيت لا يستحقان هذه العبادة، والنفس مجبولة على المعصية فلا يحسن قهرها فارتفع الوسائط فصارت تعبدا محضا لله تعالى" يرد عليه أنكم إن أردتم بالحسن لمعنى في نفسه أن يكون الحسن لذات الفعل أو لجزئه لا تكون الزكاة وأمثالها من هذا القسم إذا بينتم أن جهة حسنها لمعنى في نفسها كونها تعبدا محضا لله تعالى فيكون عينها حسنا لكونها مأمورا بها لا لذاتها ولا لجزئها، وإن
...................................................................... ..........................
قوله: "كالزكاة" يريد أن أعلى درجات الحسن في التصديق الذي لا يسقط بحال، ثم في الإقرار الذي هو ركن من الإيمان لكنه يحتمل السقوط، ثم في الصلاة التي تحتمل السقوط وليست بركن لكنها حسنة لعينها بحيث لا تشبه الحسن لغيره، ثم الزكاة والصوم والحج، فإنها مع احتمال سقوطها وعدم ركنيتها تشبه الحسن لغيره، فالصلاة حسنة لعينها لكونها تعظيما للباري وشكرا للمنعم وعبادة لمن يستحقها لا يقال حسنها بواسطة استحقاق المعبود الذي لا تحسن لغيره لأنا نقول هذا لا ينافي الحسن لعينها بل يؤكده ألا ترى أن الإيمان بالله تعالى حسن لعينه بخلاف غيره، والكفر بالله تعالى قبيح لعينه وبالجبت والطاغوت حسن لعينه فالمتصف بالحسن هو الأفعال المضافة التي ورد الأمر بها إلا أن منها ما يحسن بالنظر إلى نفس الفعل المضاف كالإيمان والصلاة المأمور بهما، ومنها ما يحسن لغيره بأن يكون المقصود الأصلي بالأمر هو ذلك الغير لا نفس الفعل المضاف كالوضوء والجهاد، وأما الزكاة والصوم والحج فكل منها حسن لمعنى في نفسه لكنه يشبه الحسن بالغير، وتحقيق ذلك أنه حسن بالغير إلا أنه الاعتبار بحسن ذلك الغير حتى إنه في حكم العدم، فصار كل منها كأنه حسن لا بواسطة أمر فجعل بهذا الاعتبار من قبيل الحسن لمعنى في نفسه فهاهنا مقامان: أحدهما أن هذه الأفعال ليست حسنة بالنظر إلى نفسها بل بواسطة أمور يعرف العقل أنها المطلوبة بالأمر والمتصفة بالحسن، وثانيهما أنه لا عبرة بهذه الوسائط، وأنها في حكم العدم حتى كان المقصود بالأمر هو نفس الأفعال التي ورد الأمر بها.
أما الأول فلأن الزكاة في نفسها تنقيص للمال إنما تحسن بواسطة حسن دفع حاجة الفقير، والصوم في نفسه إضرار بالنفس ومنع لها عما أباح لها مالكها من النعم، وإنما يحسن بواسطة حسن قهر النفس الأمارة بالسوء التي هي أعدى أعداء الإنسان زجرا لها عن ارتكاب المنهيات واتباع الشهوات، والحج في نفسه قطع للمسافة إلى أمكنة مخصوصة وزيارة لها بمنزلة السفر للتجارة وزيارة البلدان والأماكن، وإنما يحسن بواسطة زيارة البيت الشريف المكرم بتكريم الله تعالى إياه وإضافته إليه ففيه تعظيم له.
Page 361