Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh
شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه
واعلم أن ملخص كلام بعض المحققين في هذه المسألة أنه لا شك أن بعض أحوال الحيوان لا شعور له بها كالنمو، وهضم الغذاء، وبعضها مشعور به لكن ليس بإرادته كمرضه، وصحته، ونومه، ويقظته، وبعضها مما له قصد إلى صدوره، وصحة الصدور غير القصد إذ ربما يصح صدور فعل لا يقصده، وربما يقصد ما لا يصح صدوره فصحة الصدور، واللاصدور هي المسمى بالقدرة، وهي لا تكفي في الصدور إلا بعد أن يرجع أحد الجانبين على الآخر، والترجيح إنما هو بالقصد الذي هو المسمى بالإرادة أو بالداعي، وعند القدرة، والداعي يجب الصدور عند فقد أحدهما يمتنع، والقول فهو كسب، هذا وإن كان تفسيرا آخر لكن في الحقيقة: المجموع تفسير واحد فالخلق أمر إضافي يجب أن يقع به المقدور لا في محل القدرة، ويصح انفراد القادر بإيقاع المقدور بذلك الأمر، والكسب أمر إضافي يقع به المقدور في محل القدرة ولا يصح انفراد القادر بإيقاع المقدور بذلك الأمر فالكسب لا يوجب وجود المقدور بل يوجب من حيث هو كسب اتصاف الفاعل بذلك المقدور.
ثم اختلاف الإضافات ككونه طاعة أو معصية حسنة أو قبيحة مبنية على الكسب لا على الخلق إذ خلق القبيح ليس بقبيح إذ خلقه لا ينافي المصلحة، والعاقبة الحميدة بل يشتمل على كثير منهما، وإنما الاتصاف به بإرادته، وقصده قبيح، وقد علم أن الكسب من حيث هو هو يوجب الاتصاف به فالقصد إليه قبيح؛ لأنه موصل إلى القبيح؛ لأنه يعلم أنه كلما قصده يخلقه الله تعالى، ولا جبر في القصد. فالحاصل أن مشايخنا رحمهم الله تعالى ينفون عن العبد قدرة الإيجاد، والتكوين فلا خالق، ولا مكون إلا الله لكن يقولون: إن للعبد قدرة ما على وجه لا يلزم منه وجود أمر حقيقي لم يكن بل إنما يختلف بقدرته النسب، والإضافات فقط كتعيين أحد المتساويين، وترجيحه هذا ما وقفت عليه من مسألة الجبر، والقدرة وبالله التوفيق.
ثم بعد ذلك رجعنا إلى ما نحن بصدده، وهو مسألة الحسن، والقبح فقوله: إن الاتفاقي، والاضطراري لا يوصفان بالحسن، والقبح غير مسلم؛ لأن كون الفعل اتفاقيا أو اضطراريا لا ينافي كونه حسنا لذاته أو لصفة من صفاته فيمكن أن يوجب ذات الفعل أو صفة من صفاته لحوق المدح أو الذم بكل من اتصف به سواء كان اتصافه به اختياريا أو
...................................................................... ..........................
بصدور الفعل عن القادر من غير ترجيح أحد الطرفين تمسكا بالأمثلة الجزئية باطل فإن الترجيح بالعلم غير العلم بالترجيح، وهو إنما يحتاج إلى وجود المرجح لا إلى العلم به، وكل فعل يصدر عن فاعله بسبب حصول قدرته، وإرادته فهو باختياره، وكل ما لا يكون كذلك فهو ليس باختياره، وسؤال السائل أنه بعد حصول القدرة، والإرادة هل يقدر على الترك كقول من يقول: إن الممكن بعد وجوده هل يمكن أن يكون معدوما حال وجوده ثم حصول قدرته، وإرادته لا بد أن ينتهي إلى أسباب لا تكون بقدرته، وإرادته دفعا للتسلسل، ولا شك أن عند الأسباب يجب الفعل، وعند فقدانها يمتنع فالذي ينظر إلى الأسباب الأولى، ويعلم أنها ليست بقدرة العبد، ولا بإرادته يحكم بالجبر، وهو غير صحيح مطلقا؛ لأن السبب القريب للفعل هو قدرة العبد، وإرادته، والذي ينظر إلى السبب القريب يحكم بالاختيار، وهو أيضا ليس بصحيح مطلقا؛ لأن الفعل لم يحصل، بأسباب كلها مقدورة، ومراده فالحق أن لا جبر، ولا تفويض، ولكن أمر بين أمرين.
Page 353