351

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "ثم القصد" جواب سؤال تقديره: إن قصد العبد اضطراري لا اختياري؛ لأنه إنما يحصل بخلق الله تعالى من غير اختيار للعبد، وإلا لتسلسلت الاختيارات فأجاب بأن القصد مخلوق الله تعالى بمعنى استناده لا على سبيل الوجوب إلى المخلوقات الموجودة كالقدرة مثلا لكنه من الأمور اللاموجودة، واللامعدومة فلا يجب عند وجود ما يتوقف عليه إذ لو كان القصد الذي هو الله تعالى عقيبه الحالة المذكورة الاختيارية، وإن لم نقصد لم يخلق، ثم القصد مخلوق الله بمعنى أنه تعالى خلق قدرة يصرفها العبد إلى كل منهما على سبيل البدل، ثم صرفها إلى واحد معين بفعل العبد، وهو القصد، والاختيار فالقصد مخلوق الله بمعنى استناده لا على سبيل الوجوب إلى موجودات هي مخلوقة الله تعالى لا أن الله خلق هذا الصرف مقصورا؛ لأن هذا ينافي خلق القدرة فحصلت الحالة المذكورة بمجموع خلق الله، واختيار العبد؛ فلهذا قال.

"قلنا توقفه على مرجح لا يوجب كونه اضطراريا؛ لأن لاختياره تأثيرا في فعله أيضا". وإنما قال أيضا ليعلم أن الاختيار ليس بمؤثر تام بل هو جزء المؤثر ببرهان آخر قد ثبت أنه لا يوجد شيء إلا، وأن يجب وجوده بالغير فإن كان العبد موجبا لوجود بلا واسطة أمر فلا صنع له فيه كما لا صنع له في وجوده، وفي ذاته، وإن كان يتوسط وجود أمر فذلك الأمر يجب بالموجودات المستندة إلى الواجب فيخرج من صنع العبد، وإن كان يتوسط عدم أمر لا يكون ذلك العدم العدم السابق على الوجود إذ لا صنع للعبد فيه فيكون العدم الذي بعد الوجود، وهذا العدم لا يمكن إلا بزوال العلة التامة لذلك الأمر أو لبقائه فالعلة التامة إن

...................................................................... ..........................

صرف القدرة إلى الفعل مخلوقا لله تعالى قصدا لكان الفاعل مضطرا إلى الفعل غير متمكن من الترك، وهذا ينافي خلق القدرة التي من شأنها التمكن من الفعل، والترك، ولقائل أن يقول لو كان الاستناد إلى مخلوقات الله تعالى لا على سبيل الوجوب كافيا في كون الفعل مخلوقا لله تعالى فلا نزاع لأحد في كون فعل العبد مخلوقا لله تعالى بهذا المعنى ضرورة استناده إلى العبد الذي هو مخلوق، وهذا لا ينافي كون العبد موجدا له، ومؤثرا فيه، والجواب أن الاستناد لا على سبيل الوجوب إنما يمكن في الأمور اللاموجودة، واللامعدومة كالقصد مثلا لا في الموجودة كالحالة الحاصلة من الإيقاع، والكلام فيها كما مر في المقدمة الثالثة.

قوله: "برهان آخر" هذا هو الدليل الثاني، وحاصله: أنا نعلم بالوجدان أن للعبد صنعا ما أي فعلا ما بالاختيار، وصنعه يجب أن يكون في أمر لا موجود، ولا معدوم لا في أمر موجود؛ لأن صنعه فيه إما أن يكون بلا واسطة أو بواسطة وجود شيء أو بواسطة عدم شيء، والأقسام بأسرها باطلة أما الأول فلأن وجود ذلك الشيء يجب عند تمام علته فلا يتصور صنع العبد فيه أي تأثيره الاختياري، وأما الثاني فلأن وجود ذلك الأمر الذي يكون الصنع بواسطته يجب بالموجودات المستندة إلى الواجب فيخرج من صنع العبد ضرورة كونه واجبا، وأما الثالث فلأن ذلك العدم إن كان عدما سابقا فهو قديم لا صنع له فيه، وإن كان عدما لاحقا توقف على زوال جزء من العلة التامة للوجود، وذلك الجزء إن كان موجودا كان واجبا بالاستناد إلى الواجب فيمتنع العبد إزالته، وإن كان لزوال العدم مدخل في زواله عاد المحذور؛ لأن زوال العدم وجود فيكون بواسطة وجود شيء هو واجب بواسطة الموجودات المستندة إلى الواجب فيخرج من صنع العبد فتعين أن صنع العبد لا يكون إلا في أمر لا موجود، ولا معدوم، وذلك الأمر لا يجب بواسطة الموجودات المستندة إلى الواجب، وإلا لخرج عن صنع العبد فلم يبق لصنع العبد أثر في فعل أمر ما، ويلزم منه بطلان ما ثبت بالوجدان.

Page 351