348

Sharḥ al-Talwīḥ ʿalā al-Tawḍīḥ li-matn al-Tanqīḥ fī uṣūl al-fiqh

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "فعلم" مما تقدم أنه لا امتناع في ترجيح أحد المتساويين بل هو واقع، وأنه لا امتناع إذا عرفت هذه المقدمات فقوله يجب وجود الفعل عند وجود المرجح إن أراد بالفعل الحالة التي تكون للمتحرك في أي جزء يفرض من أجزاء المسافة فعلى تقدير القول بوجود بعض الأشياء بلا وجوب نمنع وجوب تلك الحالة فلا يلزم الجبر على أنا قد أبطلنا هذا التقدير لكن إثبات المطلوب على هذا التقدير أيضا أقرب من الاحتياط، وعلى تقدير امتناع وجود الأشياء بلا وجوب الجبر منتف أيضا إما بالقول بأن اختيار الاختيار عين الاختيار فلا يلزم التسلسل على تقدير كون المرجح من العبد، وإما بأنه يلزم حينئذ توقف الموجود على ما ليس بموجود، ولا معدوم فالحالة المذكورة تتوقف على أمر لا موجود ولا معدوم كالإيقاع مثلا، ثم هو إما أن يجب بطريق التسلسل أو بأن إيقاع الإيقاع عين الأول. وإما أن لا يجب لكن الفاعل يرجح أحد المتساويين، وإن أراد بالفعل الإيقاع فيعين ما قلنا في الإيقاع هذا الذي ذكرنا هو إبطال دليل الجبر فالآن جئنا إلى إثبات ما هو الحق، وهو التوسط بين الجبر، والقدر أي ما هو حاصل بمجموع خلق الله تعالى، وفعل العبد فنقول: التفرقة ضرورية بين الأفعال الاختيارية، والاضطرارية، وليست التفرقة بمجرد كونها موافقة

...................................................................... ..........................

في ثبوت الإيقاع من الفاعل المختار تارة، وعدمه أخرى من غير مرجح، وأن الممتنع إنما هو وجود الممكن بلا موجد فيجب أن يكون هذا هو المراد بالقضية المتفق عليها بين العقلاء، وهو امتناع الرجحان بلا مرجح فالرجحان هو الموجود، ولا حالة للممكن قبل الوجود بها يكون أقرب إلى جانب الوجود؛ لأنه حينئذ يكون معدوما فلا يكون جانب الوجود راجحا، وإنما يترجح عند تحقق الوجود، وزوال العدم، وهذا جيد إلا أن تخصيص الرجحان بالوجود ليس كما ينبغي بل العدم أيضا كذلك فإنه يترجح بعدم علة الوجود فكما أن وجود الممكن بلا علة الوجود محال كذلك عدمه بلا علة العدم، وهو عدم علة الوجود محال.

قوله: "إذا عرفت" هذه المقدمات الأربع فنقول في الجواب عن الدليل المذكور على أن فعل العبد ليس باختياره: إن المراد بالفعل في قولكم أن توقف فعل العبد على مرجح يجب وجود الفعل عند وجود المرجح أما المعنى الحاصل بالمصدر كالحالة التي تكون للمتحرك في أي جزء يفرض من أجزاء المسافة وأما نفس المعنى الذي وضع المصدر بإزائه، وهو الإحداث، والإيقاع كإيقاع تلك الحركة فإن أريد الأول فالجبر أي عدم اختيار العبد في فعله منتف إما على تقدير عدم توقف وجود الممكن على وجوبه فظاهر إذ الجبر إنما كان يلزم من الوجوب، وعدم بقاء الاختيار، وهذا التقدير، وإن بين بطلانه في المقدمة الثانية إلا أن إثبات المطلوب أعني عدم الجبر على التقديرين أقرب إلى الاحتياط لئلا يتوهم ثبوت الجبر على شيء من التقديرين وإما على تقدير توقف وجود كل ممكن على وجوبه فلجواز أن يكون المرجح من الفاعل، وباختياره قولكم نقل الكلام إلى الاختيار أنه باختياره فيلزم التسلسل أولا باختياره فيلزم الاضطرار، قلنا: هو باختياره، ولا نسلم لزوم التسلسل لجواز أن يكون اختيار الاختيار أو نقول لا يجب عند وجود المرجح لجواز توقفه على أمر آخر ليس بموجود، ولا معدوم، ووجود المرجح التام أي وجود جملة ما يتوقف عليه لا ينافي التوقف على تحقق ما ليس بموجود، ولا معدوم كالإيقاع.

Page 348